"زلزال دبلوماسي".. ترامب ينشر رسائل ماكرون وروته السرية حول سوريا وغرينلاند
في خطوة غير مسبوقة في تاريخ العلاقات الدولية والدبلوماسية الرقمية، أثار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عاصفة من الجدل العالمي بعد نشره "لقطات شاشة" (Screenshots) لرسائل خاصة تلقاها من زعماء دوليين عبر منصته "تروث سوشال".
هذه الرسائل، التي يُزعم أنها من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته، لا تكشف فقط عن كواليس التنسيق بين القوى العظمى، بل تفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات حول مستقبل التحالفات الغربية في ظل "نهج ترامب" الصادم.
رسائل ماكرون: توافق في الشرق الأوسط واجتماع مرتقب في باريس
حسب ما نشره ترامب، أظهرت الرسائل المنسوبة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رغبة فرنسية قوية في التنسيق الوثيق مع واشنطن. ماكرون اقترح في رسالته عقد اجتماع رفيع المستوى في باريس يعقب "منتدى دافوس الاقتصادي"، بالإضافة إلى دعوة ترامب لتناول عشاء خاص في العاصمة الفرنسية لمناقشة الملفات الشائكة.
النقطة الأكثر إثارة في رسائل ماكرون كانت تأكيده على وجود "تطابق كامل في الرؤى" بين باريس وواشنطن بشأن الملف السوري، معتبرًا أن البلدين يمتلكان القدرة على تحقيق إنجازات جوهرية في ملف إيران النووي والإقليمي. كما تضمنت الرسائل اقتراحًا لعقد اجتماع لمجموعة السبع في باريس، مع دعوة أطراف دولية فاعلة مثل روسيا وأوكرانيا والدنمارك وسوريا للجلوس على هامش اللقاء، في محاولة فرنسية لتهدئة الأزمات المشتعلة عبر وساطة "دافوس-باريس".
الناتو على الخط: إشادة بدور ترامب واستعداد لحل أزمة غرينلاند
لم يقتصر الكشف على فرنسا، بل شمل رسالة من مارك روته، الأمين العام لحلف "الناتو". الرسالة حملت لهجة وصفت بأنها "استرضائية"، حيث أثنى روته على ما وصفه بـ "الإنجاز التاريخي الأمريكي في سوريا". وأبدى روته استعداده لاستغلال منصة دافوس لتسليط الضوء على الدور المحوري لترامب في ملفات غزة وأوكرانيا وسوريا.
المفاجأة الأكبر في رسالة روته كانت إبداء استعداده للتعاون لإيجاد "مخرج لأزمة غرينلاند"، وهو الملف الذي تحول من مجرد رغبة عقارية إلى أزمة دبلوماسية وسيادية كبرى بين واشنطن وكوبنهاجن وبروكسل.
غرينلاند: طموح "نوبل" والتهديد بالقوة العسكرية
على جبهة أخرى، صعّد الرئيس ترامب من لهجته بشأن جزيرة غرينلاند. وفي تصريحات صادمة لشبكة NBC، ربط ترامب بوضوح بين سيطرته على الجزيرة وفرصه في نيل "جائزة نوبل للسلام"، معتبرًا أن الاستحواذ على الجزيرة يضمن الاستقرار الاستراتيجي العالمي.
ولم يقف ترامب عند حدود الرغبة بالشراء، بل هدد بفرض رسوم جمركية خانقة على الدول الأوروبية إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن الجزيرة. والأخطر من ذلك كان رفضه استبعاد "استخدام القوة العسكرية" لتأمين الجزيرة، مبررًا ذلك بأن الدنمارك تفتقر للقدرة العسكرية الكافية لحماية غرينلاند من الأطماع الروسية أو الصينية المتزايدة في القطب الشمالي.
تداعيات اقتصادية وقلق أوروبي
أثارت هذه التسريبات والتصريحات حالة من الذعر في الأسواق المالية الأوروبية. ويرى محللون أن هذه التحركات قد تُشعل فتيل "حرب تجارية" تفوق في ضراوتها توترات عام 2025. وتخشى المفوضية الأوروبية في بروكسل من أن تؤدي سياسة "الابتزاز بالرسوم الجمركية" إلى انهيار سلاسل التوريد العابرة للأطلسي، خاصة مع استمرار الغموض الأمريكي حول ملفات الطاقة والأصول المالية.
حتى هذه اللحظة، يلتزم البيت الأبيض الصمت المطبق حيال صحة هذه الرسائل، كما لم يصدر تعليق رسمي من قصر الإليزيه، مما يزيد من حالة الترقب الدولي لما سيسفر عنه منتدى دافوس القادم من مواجهات أو "صفقات خلف الأبواب المغلقة".
يمثل نشر هذه الرسائل تحولًا جذريًا في مفهوم "أسرار الدولة"، حيث تحولت الدبلوماسية من الغرف المغلقة إلى منصات التواصل الاجتماعي، مما يضع الحلفاء في موقف محرج بين الرغبة في التنسيق والخوف من "الفضح الرقمي". إن مطالبة ترامب بضم غرينلاند وربطها بالرسوم الجمركية أو حتى القوة العسكرية، تضع القارة الأوروبية أمام اختبار وجودي؛ فإما الرضوخ لمتطلبات "الصفقة الكبرى" التي يقودها البيت الأبيض، أو الدخول في مواجهة اقتصادية شاملة قد تعيد رسم خريطة القوى العالمية.
إن رسائل ماكرون وروته -بفرض صحتها- تكشف عن براغماتية أوروبية تحاول "ترويض" الاندفاع الأمريكي عبر الإشادة والاحتواء، لكن نهج ترامب القائم على مبدأ "أمريكا أولًا" يبدو أنه لا يكتفي بالكلمات المعسولة، بل يبحث عن مكاسب جيوسياسية ملموسة على الأرض، من دمشق إلى القطب الشمالي. ستبقى الأيام القادمة، وتحديدًا "منتدى دافوس"، هي الفيصل في تحديد ما إذا كانت هذه الرسائل هي بداية لتعاون تاريخي أم شرارة لانفجار كبير في وحدة الصف الغربي، في ظل مشهد عالمي لا يعترف إلا بالقوة والصفقات الناجزة.
