كريمة مختار.. أيقونة الأمومة المصرية.. محطات في حياة "عطيات البدري" التي سحرت المشاهدين

 كريمة مختار
كريمة مختار

تحل علينا اليوم ذكرى وفاة الفنانة القديرة كريمة مختار، تلك الأيقونة التي لم تكن مجرد ممثلة تؤدي دورًا، بل كانت "الأم البديلة" لكل مشاهد مصري وعربي. 

ارتبط اسمها بملامح الحنان الفطري، وصوتها الدافئ الذي يحمل عبق البيوت المصرية الأصيلة، فاستحقت عن جدارة لقب "أم السينما والدراما المصرية"، تاركةً خلفها إرثًا إنسانيًا وفنيًا يتجاوز حدود الشاشة ليصل إلى أعماق الوجدان.

البدايات: من أروقة الإذاعة إلى "بابا شارو"

وُلدت عطيات محمد البدري، في 16 يناير عام 1934 بالقاهرة، لعائلة ذات جذور صعيدية متمسكة بالتقاليد. بدأت شغفها بالفن منذ الصغر، ورغم الصعوبات المجتمعية آنذاك، استطاعت الحصول على بكالوريوس من المعهد العالي للفنون المسرحية.

كانت انطلاقتها الحقيقية من خلال ميكروفون الإذاعة في الخمسينيات، حيث شاركت في برنامج الأطفال الشهير «بابا شارو». هذا البرنامج لم يكن مجرد بداية، بل كان مدرسة صقلت فيها موهبتها الصوتية، وقدرتها على تجسيد المشاعر من خلال نبرات الصوت فقط، مما جعلها نجمة إذاعية ينتظرها الآلاف خلف المذياع قبل أن تطل بوجهها على الشاشة.

نور الدمرداش: الشريك والسند الفني

واجهت كريمة مختار عائقًا كبيرًا في بداية مشوارها، وهو رفض أسرتها الصارم لعملها في السينما، خوفًا على العادات والتقاليد. وظلت حبيسة الإذاعة لسنوات حتى التقت بفارس أحلامها المخرج والممثل نور الدمرداش.

لم يكن زواجها منه مجرد ارتباط عاطفي، بل كان تحولًا جذريًا في مسيرتها المهنية؛ فقد آمن الدمرداش بموهبتها الاستثنائية وشجعها على اقتحام عالم السينما، ممهدًا لها الطريق لتخرج من "عزلة الميكروفون" إلى أضواء الكاميرا، لتبدأ رحلة التألق التي دامت لعقود.

كريمة مختار.. مدرسة تجسيد الأمومة

لم تكن كريمة مختار تؤدي دور الأم كنمط مكرر، بل كانت "مدرسة" في هذا التخصص الفني. استطاعت أن تمنح كل شخصية أبعادًا نفسية واجتماعية مختلفة:

في فيلم الحفيد: جسدت الأم المصرية المكافحة التي تدير شؤون بيتها بحكمة وخفة ظل.

في فيلم ساعة ونص: قدمت دورًا تراجيديًا أبكى الملايين، مجسدة معاناة الأم المخذولة ببراعة فائقة.

في فيلم الفرح: أظهرت وجهًا مختلفًا للأم في المناطق الشعبية، مما أكد تنوع أدواتها الفنية.

«العيال كبرت».. السيادة على خشبة المسرح

في عام 1979، سجلت كريمة مختار اسمها بحروف من ذهب في تاريخ المسرح الكوميدي من خلال دور «زينب» في مسرحية «العيال كبرت». ورغم وجود عمالقة الكوميديا مثل سعيد صالح وأحمد زكي ويونس شلبي، إلا أن وجودها كان العمود الفقري للعمل، حيث جسدت "الحضن" الذي يجمع الأسرة المشتتة، وأصبحت جملها في المسرحية جزءًا من الثقافة الشعبية المصرية.

ظاهرة "ماما نونة": عندما يبكي الشعب على شخصية خيالية

إذا كان للدراما التلفزيونية قمة، فقد وصلت إليها كريمة مختار من خلال مسلسل «يتربى في عزو». قدمت شخصية "ماما نونة" التي تدلل ابنها "حمادة عزو" (يحيى الفخراني) لدرجة الفوضى، لكنها فعلت ذلك بحب جعل المشاهدين يقعون في غرامها.

بلغ تأثير الشخصية ذروته عند مشهد وفاتها في المسلسل، حيث اتشحت البيوت المصرية بالحزن الحقيقي، وتحولت "ماما نونة" إلى تريند (بمفاهيم عصرنا الحالي) يعكس مدى توحد الجمهور مع أداء كريمة مختار الصادق، ونالت عن هذا الدور جوائز وتكريمات دولية ومحلية عديدة.

الحياة الشخصية: أم خارج الكاميرا أيضًا

لم تنفصل شخصية كريمة مختار الفنية عن واقعها الإنساني. ففي منزلها، كانت هي الزوجة المخلصة لنور الدمرداش، والأم الحنون لأبنائها الأربعة: (الإعلامي معتز الدمرداش، شريف، أحمد، وهبة).

يقول نجلها معتز الدمرداش دائمًا إن والدته كانت تمارس "الأمومة" كرسالة مقدسة، حيث كانت تحرص على لم شمل الأسرة وغرس القيم الطيبة في نفوس أبنائها، مؤكدًا أن ما يراه الناس على الشاشة لم يكن تمثيلًا، بل كان انعكاسًا لطبيعتها النقية التي لم تلوثها أضواء الشهرة.

الرحيل والإرث الخالد

في 12 يناير 2017، فقد الفن المصري أحد أنقى وجوهه، حيث رحلت كريمة مختار عن عمر ناهز 82 عامًا. رحلت بعد أن قدمت آخر أعمالها في مسلسل «المرافعة» وفيلم «ساعة ونص»، لتغلق الستار على مسيرة حافلة بالعطاء.

رغم غياب الجسد، تظل كريمة مختار حاضرة في كل مرة يُعرض فيها فيلم "الحفيد" أو مسرحية "العيال كبرت". تظل هي المعيار الذي تقاس عليه أدوار الأمومة، والنموذج الذي يثبت أن الفن الصادق هو الذي يلمس الروح ويترك أثرًا يبقى حيًا عبر الأجيال.