وحدة الصف الجنوبي: كيف حوّلت القيادة التحديات الميدانية إلى انتصار سياسي استراتيجي؟
في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها الساحة الجنوبية، يبرز توصيف "إعادة التموضع" كأحد أكثر المصطلحات إثارة للجدل. ومع ذلك، فإن النظر إلى هذا الإجراء باعتباره فعل ضعف أو تراجع يعد توصيفًا قاصرًا لا يلامس جوهر الحقيقة السياسية والعسكرية على الأرض. إن قراءة المشهد بعمق تكشف أن ما جرى هو عملية إعادة ترتيب للأوراق، تهدف إلى نقل المعركة من مستوى الاشتباك الميداني المحدود إلى مستوى القرار السياسي السيادي.
عقل الدولة: متى تتغير أدوات الصراع؟
علاوة على ما سبق، فإن إعادة التموضع حين تصدر عن قيادة واعية، لا يمكن اعتبارها هروبًا من المواجهة بأي حال من الأحوال. بل هي تعبير حي عن "عقل الدولة" الذي يمتلك المرونة الكافية ليعرف متى يقاتل، ومتى يغير أدوات الصراع.
وبناءً على ذلك، فإن ما حدث مؤخرًا يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة المرحلة ومتطلباتها المعقدة. فالقيادة الجنوبية أثبتت أنها لا تنجر خلف الاستفزازات اللحظية، بل تدير المشهد برؤية استراتيجية تضع المصلحة العليا فوق كل اعتبار، محولةً التحديات الميدانية إلى فرص لتعزيز الموقف السياسي.
القوات الجنوبية: درع يحمي الإنسان لا وقود للمعراك
من ناحية أخرى، خرجت القوات الحكومية الجنوبية من هذه الجولة مرفوعة الرأس. ليس لأنها خاضت معركة استعراضية، بل لأنها أثبتت صمودًا أسطوريًا؛ فلم تنكسر، ولم تُهزم، ولم تتخلَّ عن مسؤوليتها الوطنية تجاه شعبها.
لقد اختارت القوات الجنوبية بوعي تام أن تكون درعًا يحمي المواطنين، لا وقودًا لمعارك يريدها الخصوم بشروط لا تخدم المشروع الوطني الجنوبي. هذا الخيار المسؤول، في ميزان التاريخ، يُحسب للقيادات التي تضع حياة الإنسان قبل الحسابات الجغرافية الضيقة، وتؤمن بأن حماية المشروع تتطلب أحيانًا اتخاذ قرارات صعبة لكنها ضرورية لحفظ القوة الضاربة للمستقبل.
وحدة الصف: الجبهة الداخلية في أقوى حالاتها
ونتيجة لذلك، فإن الأهم مما جرى ميدانيًا هو الأثر الإيجابي على الجبهة الداخلية. وخلافًا لرهانات الأعداء، لم تضعف هذه التحولات التلاحم الشعبي، بل على العكس تمامًا، أعادت لحمته وعمقت وحدة الصف الجنوبي بشكل غير مسبوق.
لقد أدرك الجنوبيون، بمختلف انتماءاتهم، أن المعركة لم تعد مجرد صراع على موقع عسكري أو نقطة نفوذ، بل هي معركة وجودية حول "حق الدولة" والقرار والسيادة. إن هذه الوحدة التي تشكلت تحت ضغوط المرحلة، تمثل أقوى أشكال النصر؛ فهي الصخرة التي تتحطم عليها كل مؤامرات التفكيك ومحاولات اللعب على التناقضات الداخلية.
إدارة الصراع بعقل بارد وتقصير طريق الدولة
بالإضافة إلى ذلك، أثبتت التطورات أن كل خطوة مدروسة تُتخذ اليوم، مهما بدت ثقيلة أو صعبة في نظر البعض، إنما هي وسيلة لتقصير طريق استعادة الدولة غدًا. ففي حين أن الاندفاع غير المحسوب قد يحقق مكاسب آنية وخاطفة، إلا أنه غالبًا ما يؤدي إلى تأجيل الحسم الحقيقي واستنزاف الطاقات.
أما إدارة الصراع بـ "عقل بارد" ورؤية بعيدة المدى، فهي المنهجية الوحيدة التي تبني انتصارات مستدامة. ومن هذا المنطلق، فإن إعادة التموضع لم تكن توقفًا عن الفعل النضالي، بل كانت انتقالًا إلى فعلٍ أعمق أثرًا وأشد تأثيرًا في مسار القضية الجنوبية.
من الدفاع عن الأرض إلى فرض سيادة الدولة
وفي سياق متصل، يبرز التحول الأبرز في هذه المرحلة وهو انتقال الخطاب الجنوبي من موقع "الدفاع عن الأرض" إلى موقع "فرض حق الدولة". لم يعد الحراك الجنوبي محصورًا في رد العدوان أو حماية الحدود الجغرافية فحسب، بل بات يرتكز على تثبيت الحق السياسي والتاريخي لشعب الجنوب في بناء دولته المستقلة.
هذا التحول يمثل منعطفًا تاريخيًا؛ حيث ينقل القضية من خانة "رد الفعل" إلى خانة "صناعة الفعل"، ومن مرحلة إدارة الأزمات المتلاحقة إلى مرحلة صياغة المستقبل السياسي للمنطقة برمتها.
بداية مرحلة الحسم
ختامًا، يمكن القول إن ما جرى ليس نهاية لمعركة، بل هو تدشين لمرحلة جديدة كليًا. مرحلة تُدار فيها القضية الجنوبية بوصفها مشروع دولة متكامل الأركان لا يقبل التراجع أو المساومة. إن المسار الحالي لا يُقاس بمنطق الربح والخسارة اللحظية، بل بمنطق التاريخ الذي ينصف دائمًا من يمتلك النفس الطويل، ويعرف جيدًا متى يشتد في المواجهة ومتى يحسم المعركة لصالح شعبه
انضموا لقناة متن الإخبارية علي تيليجرام وتابعوا اهم الاخبار في الوقت المناسب.. اضغط هنا https://t.me/matnnews1
