استقلال الجنوب واستعادة دولته.. هدف لا تقايضه التضحيات ولا تسقطه التسويات
تكمن أخطر معضلات الحروب المفتوحة والممتدة في أن تفقد الشعوب التي تخوضها من أجل قضاياها العادلة والمشروعة القدرة على التحكم في مسار تضحياتها، لتتحول من أطراف تقاتل بإرادتها الحرة إلى أدوات تُستنزف في معارك لا تملك قرارها، ولا تضمن نتائجها، ولا تجد في نهايتها ما يعادل أثمان الدماء الغالية التي دفعتها.
وهناك فارق جوهري وعميق بين تحالف تتقاطع فيه المصالح مع الاحترام الكامل لإرادة الشعوب وحقوقها السياسية، وتحالف تُختزل فيه تضحيات الأوطان إلى مجرد أوراق ضغط في حسابات إقليمية معقدة؛ حيث تُستدعى القوات إلى جبهات القتال حين تقتضي المصالح ذلك، ثم تترك لمواجهة تبعات الحرب وحدها حين يحين استحقاق الحماية والدعم والوفاء بالالتزامات.
هذه المفارقة الصارخة تستوجب اليوم مكاشفة سياسية صريحة وشجاعة بشأن تجربة الجنوب الحية في معادلة الحرب المفتوحة، ورفض تام لأن تتحول القوات الجنوبية إلى قوة مستأجرة أو وقود بشري مجاني لحسابات الآخرين.
المنظور التحرري مقابل الاستئجار القتالي: إشكالية التضحيات والقرار السياسي
دخل الجنوب المعركة ضد المشروع الحوثي انطلاقًا من قضية وطنية راسخة وتطلعات سياسية واضحة ومستقلة، ولم تكن دماء أبنائه مجرد استجابة لاعتبارات عسكرية عابرة، بل كانت امتدادًا طبيعيًا لمسار نضالي طويل دافع فيه شعب الجنوب عن أرضه وحقه الأصيل في استعادة دولته وتقرير مصيره السياسي. ومن هنا، فإن أي تحالف يستند إلى قوة الجنوب
وبسالة مقاتليه لا يمكنه بحال من الأحوال أن يتعامل مع هذه الحقيقة بوصفها تفصيلًا قابلًا للتجاوز أو الإغفال، أو أن يفصل المقاتل الجنوبي عن قضيته الوطنية الكبرى. إلا أن الواقع أفرز تساؤلات جوهرية حول طبيعة الأهداف والالتزامات، فبينما تتسع جبهات المواجهة، يتراجع الدعم العسكري، وتغيب الرعاية الطبية الحقيقية للجرحى، وتتقلص إمكانات الحماية والدعم الإستراتيجي، مما يطرح علامات استفهام كبرى عما إذا كانت القوات الجنوبية تُعامل كشريك حقيقي في معركة ذات أهداف مشتركة، أم كقوة يُراد استنزاف حضورها الميداني دون الاعتراف باستحقاقاتها السياسية والسيادية.
جبهات الصبيحة ومحنة الإسناد: حين تُترك خطوط التماس لمواجهة الأقدار
تقدم جبهات الصبيحة اليوم صورة حية وموجعة تستدعي الوقوف أمامها بمسؤولية وطنية بالغة؛ فهذه المنطقة التي ظلت درعًا حصينًا وحاضرة بقوة في معادلات الدفاع عن الجنوب، تجد قبائلها وقواتها نفسها أمام تحديات عسكرية وإنسانية هائلة لا يمكن اختزالها في حدود الاشتباك التكتيكي الميداني.
وحين تتعرض مناطق الصبيحة ومواقعها لضغوط المواجهات الشرسة في ظل نقص حاد في الإسناد، والتجهيزات الدفاعية، وغياب الرعاية المتكاملة للجرحى والنازحين والمتضررين، فإن الأمر يتجاوز الحسابات العسكرية البحتة إلى مسؤولية أخلاقية وسياسية تجاه الأرض والإنسان.
والأكثر إثارة للتساؤل هو تحول قوافل الإغاثة والمساعدات، التي يسيّرها أبناء الجنوب من مواردهم الذاتية، إلى وسيلة لسد فجوات كان مفترضًا أن تتحمل مسؤوليتها المؤسسات والجهات التي تدير الحرب؛ فلا يمكن قبول أن يترك المواطن الجنوبي لتحمل أعباء النزوح والعلاج والإيواء وحده، بينما تبقى مسؤوليات الحماية والرعاية موضع شك وتساؤل مستمر.
خطورة التحول نحو الاستئجار القتالي: حين تفقد التضحيات بوصلتها الوطنية
تتجلى الخطورة الكبرى في التحول التدريجي من المنظور التحرري إلى ما يمكن وصفه بـ "الاستئجار القتالي"، وهو تحول خطير لا يُقاس مجرد قياس بمجرد وجود قوات جنوبية في خطوط التماس، بل بطبيعة الرابط الذي يجمع المشاركة العسكرية بالهدف الوطني الأسمى، وبمدى امتلاك القوات لقرارها وحصولها على حقوقها المشروعة في الحماية والإسناد، ومنع توظيف تضحياتها في صفقات سياسية تنتقص من مشروع التحرير والاستقلال.
فالمنظور التحرري يربط الدفاع عن الأرض بحق تقرير المصير، بينما منطق الاستئجار يفصل القوة عن قضيتها ويجعل قيمة المقاتل مرتبطة بتنفيذ المهام مقابل الأجر لا بالهدف الوطني والمصير السياسي. ومن هنا تبرز تساؤلات مشروعة حول طبيعة الحسابات الإقليمية في ظل تسارع مسارات التسوية والتفاهمات مع الأطراف المتسببة في الحرب، مما يفرض ضمان ألا يجد الجنوب نفسه خارج حسابات التسوية أو أمام ترتيبات تنتقص من تضحياته وتاريخه النضالي الطويل.
رفض الأجندات الكرتونية وحتمية حماية الهوية السياسية لجنوب اليمن
إن الجنوب الذي خاض أشرس المعارك دفاعًا عن كرامة أبنائه وحقه السياسي، لا يمكن أبدًا أن يقبل اختزال دوره في وظيفة عسكرية بحتة أو التعامل مع قواته كوقود بشري مفتوح لخدمة أجندات الآخرين.
فالقوة العسكرية الجنوبية تنبع من صلب شعبها ولا يمكن فصلها عن مشروعها الوطني الجامع. ومن مقتضيات الوعي والمسؤولية اليوم رفض محاولات زرع المكونات الكرتونية والمجالس التنسيقية المصطنعة التي لا تعبر عن الإرادة الحقيقية لشعب الجنوب، بل تسعى لتزوير المشهد وتصوير الداخل الجنوبي على غير حقيقته بغرض خدمة رغبات الخارج الإقليمي والدولي.
ويبقى الثابت التاريخي والوطني أن الدم الجنوبي ليس رخيصًا، وأن القوات الجنوبية ليست قوة للاستئجار، وأن قضية شعب الجنوب ليست بندًا مؤجلًا في دفاتر التسويات الفاشلة، بل هي جوهر الوجود والمستقبل الذي لا يمكن التنازل عنه أو المساومة عليه بأي ثمن.