العقارات الأمريكية في مأزق.. الفائدة تطرد المشترين وتضغط على شركات البناء
تراجع بناء المساكن المخصصة لأسرة واحدة في الولايات المتحدة بنسبة %4.6 خلال سبتمبر (أيلول) 2026، مع استمرار ارتفاع تكاليف الاقتراض وأسعار المنازل، في وقت هبطت فيه تصاريح البناء إلى أدنى مستوياتها منذ مارس (آذار) 2023، ما يعكس الضغوط المتزايدة على قطاع الإسكان الأمريكي، وفقًا لبيانات وزارة التجارة الأمريكية.
وأظهرت البيانات الصادرة عن مكتب الإحصاء الأمريكي أن المعدل السنوي لبدء تشييد المنازل المنفردة انخفض إلى 859 ألف وحدة خلال سبتمبر، مقارنة بـ900 ألف وحدة في أغسطس (آب)، مسجلًا أدنى مستوى منذ سبتمبر 2025، رغم ارتفاعه بنسبة %2.6 على أساس سنوي، حسب مكتب الإحصاء ووكالة "رويترز".
وتراجعت تصاريح بناء المنازل المنفردة بنسبة %4 إلى معدل سنوي بلغ 845 ألف وحدة، مقابل 880 ألف وحدة في الشهر السابق، بانخفاض سنوي قدره %4.8، فيما انخفض إجمالي بدء تشييد الوحدات السكنية بنسبة %5.2 إلى 1.221 مليون وحدة سنويًا، وفقًا لبيانات مكتب الإحصاء الأمريكي.
الفائدة تضغط على المشترين
جاء تباطؤ البناء وسط ارتفاع حاد في تكاليف التمويل العقاري، إذ بلغ متوسط الفائدة الثابتة على الرهن العقاري لأجل 30 عامًا %7.40 في منتصف أكتوبر (تشرين الأول)، وهو أعلى مستوى في نحو ثلاثة أعوام، قبل أن يتراجع إلى %7.32 يوم الخميس 22 أكتوبر، في أول انخفاض أسبوعي منذ أواخر أغسطس، وفقًا لبيانات شركة "فريدي ماك" التي نقلتها وكالة "أسوشيتد برس".
وأدت زيادة معدلات الفائدة منذ فبراير (شباط) الماضي إلى ارتفاع الأقساط الشهرية لقرض عقاري بقيمة 400 ألف دولار بنحو 355 دولارًا، ما زاد الأعباء على الأسر الراغبة في شراء المنازل، حسب حسابات أوردتها "أسوشيتد برس".
ورغم ضعف الطلب، ظل عدد المنازل الجديدة المعروضة للبيع مرتفعًا نسبيًا، إذ بلغ 483 ألف وحدة بنهاية أغسطس، بما يعادل 8.5 أشهر من المعروض وفق وتيرة المبيعات القائمة، في مؤشر إلى الضغوط التي تواجه شركات التطوير لتصريف المخزون قبل إطلاق مشروعات جديدة، حسب مكتب الإحصاء الأمريكي.
وبلغ السعر الوسيط للمنازل القائمة 417 ألفًا و500 دولار في سبتمبر، بزيادة %1.3 على أساس سنوي، في حين ارتفع عدد الوحدات المعروضة للبيع إلى 1.60 مليون منزل، وفقًا لبيانات الرابطة الوطنية للوسطاء العقاريين.
وفي مؤشر إضافي إلى ضعف الطلب، انخفضت المبيعات المعلقة، التي تقيس العقود الموقعة لشراء المنازل القائمة قبل إتمام صفقاتها، بنسبة %7.3 في سبتمبر مقارنة بأغسطس، وبنسبة %11.3 على أساس سنوي، مع تسجيل تراجعات في جميع المناطق الأمريكية الأربع، حسب الرابطة الوطنية للوسطاء العقاريين.
وأوضح كبير الاقتصاديين في الرابطة، لورانس يون، أن "ارتفاع معدلات الرهن العقاري أضعف نشاط السوق خلال سبتمبر"، مشيرًا إلى أن تغير تكاليف التمويل أصبح أشد تأثيرًا في القدرة الشرائية من مكاسب الأجور والتوظيف، وفقًا لبيان الرابطة.
ثقة شركات البناء عند أدنى مستوى في 14 عامًا
امتدت الضغوط إلى شركات التطوير العقاري، إذ انخفض مؤشر ثقة بناة المنازل الصادر عن الاتحاد الوطني لبناة المنازل بالتعاون مع "ويلز فارغو" إلى 29 نقطة في أكتوبر، متراجعًا ثلاث نقاط عن سبتمبر، ليسجل أدنى مستوى منذ يونيو (حزيران) 2012، حسب الاتحاد.
وكشف استطلاع الاتحاد أن %43 من الشركات المشاركة خفضت أسعار المنازل خلال أكتوبر، بمتوسط تخفيض بلغ %6، بينما قدمت %65 منها حوافز إضافية للمشترين، في محاولة لدعم المبيعات وسط ارتفاع تكاليف التمويل وضعف الطلب، وفقًا للاتحاد الوطني لبناة المنازل.
كما تراجع مؤشر حركة المشترين المحتملين إلى 18 نقطة، وهو أدنى مستوى منذ أبريل (نيسان) 2012 باستثناء فترة بداية جائحة كورونا في أبريل 2020، فيما انخفض مؤشر توقعات المبيعات للأشهر الستة المقبلة إلى 32 نقطة، حسب مسح الاتحاد.
وقال رئيس الاتحاد، بيل أوينز، إن ارتفاع معدلات الرهن العقاري وأسعار الوقود والتضخم أدى إلى إضعاف حركة المشترين في مناطق واسعة، بالتزامن مع زيادة تكاليف قروض البناء ومواد التشييد والديزل، وفقًا لبيان الاتحاد.
من جانبه، أوضح كبير الاقتصاديين في الاتحاد، روبرت ديتز، أن السوق لا تزال تواجه قيودًا على جانب المعروض وتحديات تتعلق بالقدرة على تحمل التكاليف، مؤكدًا أن ارتفاع الفائدة وتكاليف البناء وضعف ثقة المستهلكين تدفع مزيدًا من المشترين إلى تأجيل قرارات الشراء، حسب الاتحاد.
تباطؤ الاستثمار السكني
وتشير بيانات قطاع البناء إلى ضغوط أوسع على الاستثمار السكني، إذ رجح محللو "مورغان ستانلي" انكماش النشاط بنسبة سنوية معدلة تبلغ %4 خلال الربع الثالث، بعد تعافيه في الربع الثاني عقب خمسة فصول متتالية من التراجع، وفقًا لتقديرات نقلتها وكالة "رويترز".
وفي الوقت نفسه، تراجع المعدل السنوي لإنجاز المنازل المنفردة بنسبة %2.4 إلى 840 ألف وحدة في سبتمبر، وهو أدنى مستوى منذ مايو (أيار) 2020، بينما استقر عدد الوحدات المنفردة قيد الإنشاء عند 587 ألفًا، وفقًا لبيانات مكتب الإحصاء التي أوردتها "رويترز".
عجز سكني رغم ارتفاع المخزون
ورغم زيادة المعروض من المنازل الجديدة غير المبيعة، يواجه السوق الأمريكي نقصًا هيكليًا في المساكن، إذ تتراوح تقديرات العجز بين مليونين و5.5 مليون وحدة، حسب عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، مايكل بار.
وأوضح بار، في خطاب ألقاه خلال سبتمبر، أن ضعف المعروض السكني يعود جزئيًا إلى القيود المفروضة على استخدام الأراضي، وارتفاع تكاليف التطوير، ونقص العمالة المتخصصة، إضافة إلى إحجام بعض أصحاب الرهون العقارية القديمة منخفضة الفائدة عن بيع منازلهم والانتقال إلى قروض أعلى تكلفة، وفقًا للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.
وفي ظل هذه التطورات، تتوقع مؤسسة "فاني ماي" أن يبلغ متوسط الفائدة على الرهن العقاري الثابت لأجل 30 عامًا %7.5 خلال عام 2027، ما يشير إلى احتمال استمرار ضغوط التمويل على المشترين وشركات التطوير، وفقًا لتوقعات المؤسسة التي نقلتها وكالة "أسوشيتد برس".