السيسي يستهدف رفع التبادل التجاري مع إندونيسيا إلى 5 مليارات دولار
اختتم الرئيس عبد الفتاح السيسي جولته الآسيوية التي شملت كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا، في تحرك دبلوماسي استهدف تعزيز العلاقات الثنائية، وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي والاستثماري، وفتح آفاق جديدة أمام الصادرات المصرية، بالتزامن مع سعي الدولة إلى تنويع الشراكات الدولية وزيادة فرص جذب الاستثمارات الأجنبية.
وجاءت الجولة التي انطلقت في السادس من أكتوبر 2026 في توقيت يشهد تغيرات متسارعة في الاقتصاد العالمي، وتحديات متعلقة بالطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية، ما منح التحرك المصري أهمية خاصة في تعزيز التعاون مع الاقتصادات الآسيوية، والاستفادة من الفرص المتاحة في مجالات الصناعة والتكنولوجيا والبنية التحتية والزراعة والسياحة.
وشهدت المحطات الثلاث مباحثات رئاسية ولقاءات مع كبار المسؤولين، إلى جانب توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم تستهدف دعم العلاقات الاقتصادية والسياسية، فضلًا عن تبادل وجهات النظر بشأن القضايا الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وأمن الممرات البحرية وقضايا التنمية والاستقرار.
زيارة السيسي إلى كوريا الجنوبية وتوقيع 12 اتفاقية
مثلت كوريا الجنوبية المحطة الأولى في الجولة الآسيوية للرئيس عبد الفتاح السيسي، حيث أجرى مباحثات رسمية مع الرئيس الكوري لي جاي ميونغ، تناولت سبل تطوير العلاقات الثنائية وتعزيز التعاون في قطاعات التجارة والاستثمار والصناعة والبنية التحتية والطاقة.
وأسفرت المباحثات عن توقيع 12 اتفاقية ومذكرة تفاهم بين البلدين، إلى جانب إطلاق مفاوضات رسمية بشأن اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة، بما يدعم توسيع حجم التبادل التجاري وتطوير الاستثمارات المشتركة خلال المرحلة المقبلة.
كما شهدت الزيارة اعتماد بيان مشترك يرسخ الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وسول، إلى جانب انعقاد أول حوار استراتيجي بين البلدين، والتوافق على دعم جهود الإغاثة في قطاع غزة، بما يعكس اتساع نطاق العلاقات المصرية الكورية ليشمل الملفات الاقتصادية والسياسية والإنسانية.
وتضمنت مجالات التعاون المستهدفة الصناعات الميكانيكية المتقدمة ومشروعات الطاقة والبنية التحتية، فضلًا عن تعزيز الاستثمارات في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. وتكتسب هذه الملفات أهمية خاصة في ضوء ما تمتلكه الشركات الكورية من خبرات صناعية وتكنولوجية يمكن أن تسهم في تطوير الإنتاج المحلي ونقل المعرفة وتوفير فرص عمل جديدة.
كما يمثل الموقع الجغرافي لمصر عامل جذب للشركات الكورية الراغبة في التوسع بالأسواق الإفريقية والعربية، إذ يمكن أن تشكل المشروعات الصناعية المقامة داخل مصر نقطة انطلاق للتصدير إلى أسواق متعددة، بما يعزز فرص زيادة الصادرات وتنويع مصادر الدخل.
السيسي في ماليزيا لتعزيز الاستثمار والتبادل التجاري
انتقل الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى العاصمة الماليزية كوالالمبور، حيث عقد لقاءات رسمية مع ملك ماليزيا السلطان إبراهيم ورئيس الوزراء أنور إبراهيم، تناولت تطوير العلاقات الثنائية وتعزيز التعاون في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والسياسية.
وشهدت الزيارة تبادل عدد من مذكرات التفاهم في إطار مساعي البلدين للارتقاء بالعلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، مستفيدين من الروابط الدبلوماسية الممتدة بينهما، والرغبة المشتركة في توسيع مجالات التعاون خلال السنوات المقبلة.
وبلغ حجم التبادل التجاري بين مصر وماليزيا نحو 718 مليون دولار خلال العام الماضي، وفقًا للأرقام الواردة في البيانات المتعلقة بالزيارة، وهو ما يعكس وجود قاعدة للتعاون التجاري يمكن البناء عليها من خلال زيادة الصادرات المصرية وتوسيع فرص نفاذ المنتجات إلى السوق الماليزية.
وتبرز صناعة السيارات ضمن مجالات التعاون الاقتصادي بين البلدين، في ظل مشروع تجميع سيارات بروتون داخل مصر، الذي يستهدف تعزيز التصنيع المحلي وتهيئة فرص لتحويل مصر إلى مركز إقليمي يخدم أسواق شمال إفريقيا.
ويتيح توسيع التعاون مع ماليزيا فرصًا إضافية أمام قطاعات الصناعة والتجارة والاستثمار، خاصة مع أهمية الاستفادة من الخبرات الماليزية في تطوير الإنتاج والتصنيع، وتعزيز مشاركة الشركات في المشروعات المصرية، بما يدعم نقل التكنولوجيا وتوفير فرص عمل جديدة.
زيارة إندونيسيا واستهداف تجارة بقيمة 5 مليارات دولار
جاءت إندونيسيا المحطة الأخيرة في جولة الرئيس السيسي الآسيوية، حيث أجرى مباحثات مع الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو، تناولت سبل تعزيز العلاقات الثنائية وتوسيع التعاون في مجالات التجارة والزراعة والصناعة والسياحة.
وشهدت الزيارة توقيع عدد من مذكرات التفاهم بين البلدين، في إطار الشراكة الاستراتيجية التي أُعلن عنها رسميًا في أبريل 2025، إلى جانب بحث استكمال اتفاقيات إضافية في مجالات التأشيرات والثروة السمكية والإحصاء.
وأعلن الرئيس السيسي استهداف رفع حجم التبادل التجاري بين مصر وإندونيسيا إلى 5 مليارات دولار بحلول عام 2030، وهو هدف يعكس توجهًا نحو توسيع العلاقات الاقتصادية مع أحد أكبر الأسواق الآسيوية، وزيادة فرص التعاون في قطاعات الإنتاج والتصدير والاستثمار.
وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 2.38 مليار دولار خلال العام الماضي، حسب البيانات الواردة في تفاصيل الجولة، ما يوفر قاعدة يمكن الانطلاق منها لتعزيز حركة التجارة والوصول إلى المستهدف المعلن.
وشملت مجالات التعاون المطروحة صناعة الملابس الجاهزة والتجارة الزراعية، إلى جانب فرص تطوير الشراكات الصناعية والسياحية. ويمكن أن يسهم التوسع في هذه القطاعات في تنويع الأسواق المستقبلة للصادرات المصرية، وتعزيز التعاون مع الشركات الإندونيسية في المشروعات المشتركة.
القضية الفلسطينية ومياه النيل في مباحثات السيسي الآسيوية
لم تقتصر الجولة الآسيوية على الجوانب الاقتصادية، بل تضمنت مواقف سياسية بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، حيث أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي ضرورة التوصل إلى تسوية عادلة وشاملة تستند إلى قرارات الشرعية الدولية وحل الدولتين.
وشدد الرئيس على أهمية إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، مع رفض أي مخططات تستهدف تهجير الشعب الفلسطيني أو فرض تغييرات ديموغرافية على الأراضي الفلسطينية.
كما أعرب عن تطلع مصر إلى توسيع الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، وأكد أهمية دعم جهود إعادة إعمار قطاع غزة وتوفير المساعدات الإنسانية اللازمة للسكان، في ظل التحديات التي تواجه القطاع.
وفي ملف مياه النيل، شدد الرئيس على أن النهر يمثل قضية وجودية للمصريين، مؤكدًا دعم مصر للتنمية في دول حوض النيل، مع رفض الإجراءات الأحادية التي تلحق الضرر بحقوقها المائية أو تتعارض مع المبادئ المنظمة لاستخدام الموارد المائية المشتركة.
وتطرقت المباحثات كذلك إلى أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي، حيث أكد الرئيس أهمية احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وأن مسؤولية أمن البحر الأحمر تقع على عاتق الدول المشاطئة له، بما يحافظ على استقرار المنطقة وسلامة الممرات البحرية.
السيسي وماليزيا يتفقان على خفض التصعيد والحلول الدبلوماسية
خلال زيارة كوالالمبور، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم أهمية خفض التصعيد في المنطقة وتغليب الحلول الدبلوماسية لمعالجة الأزمات الإقليمية، مع التشديد على احترام القانون الدولي والعمل من أجل تسويات سياسية شاملة.
كما أشاد الرئيس بالموقف الماليزي الداعم للقضية الفلسطينية، مؤكدًا ضرورة مواصلة الجهود الدولية للتوصل إلى حل عادل يضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ويعزز فرص تحقيق السلام والاستقرار.
وتعكس هذه المواقف حرص القاهرة على توسيع التنسيق السياسي مع الشركاء الآسيويين، وعدم قصر العلاقات الثنائية على التجارة والاستثمار فقط، بل توظيفها أيضًا لدعم الحوار بشأن القضايا الإقليمية وتعزيز فرص الاستقرار الدولي.
ماذا تستفيد مصر اقتصاديًا من الجولة الآسيوية؟
تفتح نتائج الجولة الآسيوية أمام مصر فرصًا لتعزيز الاستثمارات الأجنبية وتنويع الشراكات التجارية، خاصة من خلال الاستفادة من القدرات الصناعية والتكنولوجية التي تمتلكها كوريا الجنوبية، والخبرات الماليزية في التصنيع، والإمكانات التجارية والسوقية الواسعة لإندونيسيا.
وتكتسب المنطقة الاقتصادية لقناة السويس أهمية في هذا السياق، إذ يمكن أن تستفيد من اهتمام الشركات الآسيوية بإقامة مشروعات صناعية ولوجستية داخل مصر، بما يسمح بتوجيه الإنتاج إلى السوق المحلية والتصدير إلى الأسواق الإفريقية والعربية والأوروبية.
كما أن توسيع التعاون في مجالات السيارات والصناعات الميكانيكية والطاقة والزراعة والملابس الجاهزة قد يسهم في زيادة القيمة المضافة للإنتاج المحلي، وفتح مجالات جديدة أمام الشركات المصرية، فضلًا عن توفير فرص عمل وتطوير المهارات الفنية.
ومع ذلك، فإن تحويل الاتفاقيات ومذكرات التفاهم إلى نتائج اقتصادية ملموسة يتطلب متابعة تنفيذها، وتحديد المشروعات ذات الأولوية، وتوفير بيئة جاذبة للاستثمار، بما يضمن زيادة التدفقات الاستثمارية وتحقيق نمو مستدام في حجم التبادل التجاري.
وتعكس جولة الرئيس السيسي في كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا توجه مصر إلى تعزيز حضورها في آسيا، وبناء شراكات متعددة المجالات تجمع بين المصالح الاقتصادية والتنسيق السياسي. وتبقى قدرة هذه الجولة على تحقيق أهدافها مرتبطة بسرعة تنفيذ الاتفاقيات وتحويل التفاهمات إلى مشروعات وفرص تصديرية واستثمارية تدعم الاقتصاد المصري خلال المرحلة المقبلة.