الذكاء الاصطناعي يلتهم 9% من الناتج الأمريكي.. إنفاق ينافس فاتورة الطعام
أمام موجة الإنفاق "الضخمة" من عمالقة التكنولوجيا على الذكاء الاصطناعي، سيتعين على الشركات والمستهلكين الأمريكيين إنفاق ما يعادل نحو 9% من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة سنويًا على هذه التقنيات، وهي نسبة تقارب ما ينفقه الأمريكيون على الطعام من دخولهم.
وتزيد النسبة المشار إليها بنحو الضعف على إجمالي ما تنفقه الدولة على جميع أنواع الطاقة أو أجهزة الكمبيوتر والبرمجيات، وتعادل نحو 7 أضعاف إنفاق المستهلكين على خدمات الهاتف والبث المباشر والإنترنت مجتمعة.
3.5 تريليون دولار إيرادات مطلوبة
يستند رقم الـ9% إلى تحليل أعده ستاين فان نيوفيربورغ، أستاذ المالية في جامعة كولومبيا، إذ خلص إلى أن التوسع الحالي في الذكاء الاصطناعي يتجاوز أي طفرة استثمارية سابقة في التاريخ الأمريكي، لكن السؤال الأكثر أهمية - في رأيه - هو حجم الإيرادات التي يجب أن تحققها الصناعة حتى تبرر هذه الاستثمارات.
بدأ الباحث من الخطط الفعلية لبناء مراكز البيانات ومتوسط تكلفة إنشائها، مفترضًا "أن كل دولار من الإيرادات يولد 50 سنتًا من التدفق النقدي، وأن المستثمرين يحتاجون إلى عائد غير ممول على رأس المال المستثمر يبلغ 10%".
وبناءً على هذه الافتراضات، يتعين أن تصل إيرادات الذكاء الاصطناعي في 2032 إلى 3.5 تريليون دولار، أي ما يعادل 8.8% من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي، وفق تقدير يفترض نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4% سنويًا، دون تعديل التضخم.
يفترض السيناريو أن شركات الذكاء الاصطناعي ستتمكن من الحفاظ على أسعارها الحالية مقابل قوة الحوسبة، لكن فان نيوفيربورغ يرى أن ندرة القدرة الحوسبية هي التي تساعد حاليًا في إبقاء الأسعار وهوامش الأرباح مرتفعة.
ويشير نيوفيربورغ إلى أن شركات الذكاء الاصطناعي تفترض ضمنيًا قدرتها على مواصلة فرض أسعار تعكس ندرة الحوسبة حتى 2032، لكن السوق يشير إلى منافسة أكثر حدةً في ظل تضاعف القدرة الحوسبية 4 مرات، ما يُنبئ بمخاطرة كبرى تتمثل في "انخفاض الأسعار مع اتساع القدرة الإنتاجية".
"مفارقة جيفونز".. الأسعار مقابل الكفاءة
في قطاع التكنولوجيا، لا يعني انخفاض الأسعار بالضرورة تراجع قيمة السوق؛ إذ يمكن أن يكون انعكاسًا مباشرًا لارتفاع الكفاءة، حيث تظهر بيانات قطاع الذكاء الاصطناعي أن قدرات النماذج تتضاعف تقريبًا كل 4 إلى 5 أشهر.
ووفق شركة "Epoch AI"، انخفض السعر الفعلي لمستوى معين من قدرات الذكاء الاصطناعي بنسبة 47% ربع سنويًا منذ عام 2023، أي بمعدل أسرع بنحو 6 مرات من انخفاض تكلفة قوة الحوسبة.
وتقوم الحجة المتفائلة على أن انخفاض الأسعار وارتفاع القدرات سيؤديان إلى توسيع الطلب بدرجة تفوق انخفاض الأسعار، وهي الظاهرة المعروفة باسم "مفارقة جيفونز"، نسبة إلى الاقتصادي البريطاني ويليام ستانلي جيفونز.
300 مليار دولار لـ "أوبن إيه أي" و"أنثروبيك"
وتبدو مؤشرات الطلب الحالية داعمة لهذه الفرضية إلى حد ما، فقد توقعت لجنة من الخبراء، استطلعت آراءها مجموعة يقودها عزرا كارغر من بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو، أن يصل إجمالي الإيرادات السنوية لشركتي "أوبن إيه أي" و"أنثروبيك" إلى 300 مليار دولار بحلول 2030.
لكن هذا الرقم قد يبدو متحفظًا مقارنة بالمعدلات الحالية؛ إذ يبلغ معدل التشغيل المشترك للشركتين بالفعل نحو 180 مليار دولار، وفق المعطيات الواردة في التحليل، مع نمو بمعدلات مكونة من رقمين على أساس ربع سنوي.
ويذهب أنصار الذكاء الاصطناعي إلى أبعد من ذلك، إذ يرون أن التكنولوجيا ستتحول إلى عامل إنتاج ثالث إلى جانب رأس المال والعمل، لكن في حال تحقق هذا السيناريو، فإن إنفاقًا يعادل 9% من الناتج المحلي الإجمالي على الذكاء الاصطناعي قد لا يبدو مرتفعًا بالضرورة، خصوصًا أن العمل يمثل حاليًا نحو 51% من الناتج المحلي الإجمالي.
لكن هذا السيناريو يحمل في المقابل تحولًا كبيرًا في سوق العمل؛ إذ قد ينخفض معدل التوظيف بصورة حادة، ما قد يدفع الحكومات إلى فرض ضرائب على الذكاء الاصطناعي لتعويض الدخل المفقود وإيرادات ضرائب الرواتب، حسب "وول ستريت جورنال".
وتكمن المفارقة الأساسية في طفرة الذكاء الاصطناعي، في القدرة على رفع الإنتاجية بالفعل، دون أن تتحول كل زيادة في الإنتاجية بالضرورة إلى إيرادات إضافية أو عوائد استثمارية ضخمة.
الذكاء الاصطناعي قد يغير طريقة إنتاج السلع والخدمات، ويرفع كفاءة الشركات، ويزيد الناتج الاقتصادي، لكن ذلك لا يعني تلقائيًا وصول الإنفاق عليه إلى المستوى اللازم لتبرير الاستثمارات الهائلة التي تُضخ فيه حاليًا، ما يجعل رقم 9% اختبار حقيق لحجم القيمة الاقتصادية التي يجب أن يخلقها الذكاء الاصطناعي حتى تُبرر الطفرة الاستثمارية الحالية.