من خصومة دامية إلى تحالف انتخابي.. كيف يهدد تقارب حماس وتيار دحلان مستقبل السلطة وتل أبيب؟
في مشهد سياسي بالغ التعقيد يغير قواعد اللعبة، تتجه الساحة الفلسطينية نحو تحولات كبرى مع إعلان حركتي حماس والجهاد الإسلامي التوصل إلى تفاهمات لعقد تحالف انتخابي مع التيار الإصلاحي الديمقراطي بقيادة القيادي المفصول من حركة فتح محمد دحلان، وذلك استعدادًا للانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة في 28 نوفمبر المقبل.
يأتي هذا التقارب غير المسبوق في وقت تعاني فيه الحالة الفلسطينية من أزمة سياسية ممتهدة وانقسام داخلي عميق. ولا تقتصر أهمية هذا الاتفاق على الأطراف المنخرطة فيه فحسب، بل تكمن في طبيعة تركيبته المستحدثة التي تدمج قوى المقاومة مع تيار سياسي كان حتى الأمس القريب في مواجهة دموية وسياسية حادة معها، لا سيما دحلان الذي شغل سابقًا مواقع أمنية نافذة في قطاع غزة قبل خروجه من المشهد الرسمي لرام الله.
من جبهات الصدام إلى صناديق الاقتراع
سلط تقرير لموقع "كيكار هشبات" العبري الضوء على هذا التحالف، معتبرًا أنه صيغ في الغرف المغلقة ليواجه السلطة الفلسطينية ويضع إسرائيل أمام تحدٍ استراتيجي غير مسبوق ترقبًا لسيناريوهات "اليوم التالي".
هذا التحول الجذري في بوصلة العلاقات يعود لسنوات من التقارب التدريجي المدفوع بسخط مشترك تجاه إدارة الرئيس محمود عباس ورغبة جارفة في إعادة هندسة النظام السياسي الفلسطيني. وفي هذا السياق، أكد نائب الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي، محمد الهندي (في تصريحات نقلتها وكالة "أسوشيتد برس")، أن حركته لن تخوض السباق الانتخابي بقائمة منفردة، بل ستدعم قائمة وطنية موحدة تفتح أبوابها للشخصيات المستقلة والقوى السياسية، في محاولة لتقديم إطار انتخابي عريض يتجاوز أطر الفصائلية الضيقة.
قراءة في أهداف أطراف التحالف
يعكس هذا التحالف تقاطع مصالح دقيق بين أطراف متباينة الأيديولوجيات لكنها متفقة على تقويض الهيمنة الحالية:
حركة حماس: ترى في هذه المظلة الانتخابية الواسعة ممرًا آمنًا للعودة إلى المؤسسات الرسمية الفلسطينية والانخراط في العمل السياسي العلني بعد سنوات طويلة من العزلة والانقسام.
تيار دحلان: يمثل له الاتفاق طوق نجاة وفرصة ذهبية للعودة إلى واجهة المنافسة السياسية عبر مظلة تتخطى القيود التنظيمية التقليدية لحركة فتح.
حركة الجهاد الإسلامي: فضلت الانخراط الداعم ضمن قائمة وطنية جامعة بدلًا من خوض غمار المعركة الانتخابية بمفردها.
من جانبه، يرى الباحث الإسرائيلي البارز كبي ميخائيل (من معهد دراسات الأمن القومي ومعهد مسغاف، وفقًا لصحيفة "جيروزاليم بوست") أن هذا التحالف المنفصل شكليًا عن حماس قد يمنح الأخيرة مخرجًا قانونيًا للمشاركة في الانتخابات وفق شروط السلطة الفلسطينية، ودون التنازل عن شعار ومبدأ "المقاومة".
عباس في مواجهة معادلة سياسية مستحدثة
يضع هذا التكتل الواسع الرئيس محمود عباس ومؤسسات السلطة وحركة فتح أمام مأزق ومنافسة شرسة لم تكن في الحسبان، حيث يسعى الخصوم لتقديم بديل انتخابي قوي يغير موازين القوى في الشارع الفلسطيني إذا كُتب له النجاح.
مع ذلك، يبقى هذا المشهد رهينًا بمدى جدیة إجراء الانتخابات في موعدها المحدد (28 نوفمبر)، لا سيما وأن الساحة الفلسطينية لطالما شهدت عقبات لوجستية، وأمنية، وسياسية أدت مرارًا لتأجيل استحقاقات سابقة (كإلغاء انتخابات 2021)، فضلًا عن التحديات المرتبطة بآليات تسجيل القوائم والمرشحين.
هواجس ومخاوف استراتيجية على الطاولة الإسرائيلية
لا تنظر الدوائر السياسية والأمنية في تل أبيب إلى هذا التحالف باعتباره مجرد شأن داخلي، بل تعتبره تهديدًا أمنيًا واستراتيجيًا يفرض تغييرات جذرية في طريقة التعامل مع الساحة الفلسطينية، وتتمثل أبرز تلك المخاوف في:
طمس الحدود التقليدية: يخشى الاحتلال أن يؤدي الاندماج بين حماس وتيار دحلان إلى محو الفوارق التقليدية التي كانت تعول عليها إسرائيل للفصل بين مؤسسات السلطة الفلسطينية والتنظيمات المسلحة.
الشرعية الدولية: تثير مشاركة حماس في قائمة انتخابية رسمية مخاوف من حصولها على اعتراف وحضور سياسي أوسع في الضفة الغربية وعلى الساحة الدولية، مما يعرقل أي خطط مستقبلية لهندسة إدارة قطاع غزة بمعزل عن التنظيمات المسلحة.
فراغ السلطة وانهيارها: تمثل الهواجس الكبرى في سيناريو تراجع نفوذ محمود عباس وغياب بديل توافقي، مما قد يفتح الباب أمام فراغ سياسي تستغله القوى الأكثر تشددًا لتعزيز سيطرتها على الضفة الغربية، بانعكاساته المباشرة على الاستقرار الأمني والمستوطنات.