ألمانيا تحث أوروبا على استباق "تفاهمات" ترامب وشي
تقف أوروبا بأكملها على حافة القلق، مع اقتراب قمة تجارية مرتقبة، الأربعاء في واشنطن، تجمع الرئيس الصيني شي جين بينغ ونظيره الأمريكي دونالد ترامب، إذ يخشى صناع القرار في "القارة العجوز" أن تُرسم موازين التجارة العالمية على طاولة يجلس عليها طرفان فقط.
وتحتل ألمانيا موقع الاقتصاد الأكبر داخل الاتحاد الأوروبي، بحصة 24% من الناتج المحلي الإجمالي للتكتل، البالغ قرابة 20.5 تريليونات دولار، وفق بيانات "يوروستات"، ما يجعلها الأكثر عرضة بين اقتصادات القارة لتداعيات أي تحول في هذه الموازين.
وطالبت أوساط اقتصادية ألمانية الاتحاد الأوروبي بانتهاج سياسة تجارية أكثر نشاطًا قبيل هذه القمة، التي تأتي بعد أربعة أشهر من لقاء حاسم سابق جمع الزعيمين في بكين، حسب ما ذكرته وكالة الأنباء الألمانية "د ب أ".
وقال فولكر تراير، رئيس قسم التجارة الخارجية في غرفة الصناعة والتجارة الألمانية: "من المهم ألا يبقى الاتحاد الأوروبي في حالة جمود، وإنما أن يمثل مصالحه في مجال التجارة الخارجية بصورة هادفة"، مضيفًا أن الاقتصاد الألماني سيتأثر مباشرة عندما تتفاوض واشنطن وبكين بشأن التجارة والمواد الخام والتقنيات الرئيسة.
وأشار تراير إلى أن الولايات المتحدة والصين من أهم الشركاء التجاريين لألمانيا، موضحًا أن "التهدئة بين الجانبين تتيح للشركات العاملة في التجارة الدولية مزيدًا من الأمان في التخطيط، أما حدوث تصعيد جديد بين القوتين الاقتصاديتين العملاقتين فسيوجه ضربة قوية أيضًا إلى الاقتصاد الألماني".
وأكد ممثل الغرفة أن تحقيق تقدم في ضوابط التصدير التي تفرضها الصين والولايات المتحدة سيكون مهمًا بشكل خاص، موضحًا أن القيود المفروضة حاليًا على المواد الخام الحيوية وأشباه الموصلات والتقنيات الرئيسية تُعرقل بالفعل التجارة الدولية وسلاسل التوريد.
وأضاف تراير أن أوروبا يجب ألا تكون "مجرد متفرج" على السياسة التجارية، مشيرًا إلى أن الاتحاد الأوروبي يملك بدوره أدوات كثيرة للتأثير، إذ يمكنه تعزيز سوقه الداخلية، وتقليل اعتماديته الاستراتيجية، عبر إقامة تحالفات اقتصادية جديدة في آسيا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا.
تنويع لا قطيعة
وفي هذا السياق، ترى الخبيرة الاقتصادية سارة الياسري، في تصريحات خاصة لـ24، أن حماية المصالح الألمانية والأوروبية تبدأ من تقليل الاعتماد الكبير على الولايات المتحدة والصين، دون الابتعاد عنهما تجاريًا.
وتقول الياسري إن "الأولوية يجب أن تكون لتنويع مصادر المواد الخام والرقائق والطاقة، مع فتح أسواق جديدة للصادرات الأوروبية في الخليج وآسيا"، معتبرة أن المنافسة لم تعد مرتبطة بجودة الصناعة الأوروبية وحدها، وإنما أيضًا بقدرتها على خفض تكاليف الطاقة والإنتاج ومنافسة المنتجات الصينية سعريًا.
وتشير إلى أهمية توفير بيئة نقدية وتمويلية داعمة للاستثمار، بما في ذلك خفض أسعار الفائدة عندما تسمح الظروف الاقتصادية بذلك، إلى جانب الاستثمار في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والصناعات الاستراتيجية على المدى الطويل، مع الاستفادة من حجم السوق الأوروبية كورقة قوة في المفاوضات التجارية.
وتختصر الياسري المعادلة بالقول إن الهدف "ليس الاختيار بين واشنطن وبكين، وإنما بناء اقتصاد أوروبي أكثر تنافسية وأقل اعتمادًا عليهما في القطاعات الحيوية"، بما يمنح الاتحاد مساحة أكبر لحماية مصالحه واتخاذ قراراته باستقلالية.
اقتصاد متباطئ
وتأتي هذه التحذيرات في ظل إشارات تباطؤ ملموسة للاقتصاد الألماني، إذ تراجع معدل نموه إلى 1% في الربع الثاني من 2026 مقارنة بالعام السابق، مع توقعات بنمو سنوي لا يتجاوز 0.6%.
ورغم تحقيق ألمانيا فائضًا تجاريًا بلغ حوالي 120.8 مليار دولار أمريكي في النصف الأول من 2026، فإن صادراتها لأمريكا تراجعت 6.1%، وسط ضغوط متزايدة على ميزانيتها الحكومية، التي ارتفع عجزها إلى 3.1% من الناتج المحلي، إضافة إلى صدمة أسعار الطاقة وضعف الطلب الخارجي، وهو ما يفسر إلحاح برلين على ضرورة تحرك أوروبي جماعي، قبل أن تُحسم موازين التجارة العالمية على طاولة واشنطن.