< الجنوب العربي وحماية الأمن البحري: رؤية استراتيجية لمواجهة المخاطر وإفشال التمدد الإيراني
متن نيوز

الجنوب العربي وحماية الأمن البحري: رؤية استراتيجية لمواجهة المخاطر وإفشال التمدد الإيراني

متن نيوز

تتحول الممرات المائية الحيوية في جنوب البحر الأحمر وخليج عدن من شريان ينبض بالحياة والتجارة العالمية إلى ساحة مفتوحة للصراعات الجيو-سياسية والابتزاز المليشياوي، في تطور خطير يضع الاقتصاد العالمي والاستقرار الإقليمي على حافة هاوية غير مسبوقة. 

ولم تكن الفوضى الأمنيّة والتهديدات المتزايدة التي تشهدها خطوط الملاحة الدولية في مضيق باب المندب وليدة المصادفة، ولا حدثًا طارئًا أو مفاجئًا في مسار الصراع، بل هي النتيجة الحتمية والمتوقعة لسنوات طويلة من الفشل السياسي المتراكم، والتعاطي العسكري الهش الذي اتسم بالتردد والتغاضي عن تمدد المشروع الإيراني. هذا التراخي الاستراتيجي، الذي حذرت منه قيادة الجنوب العربي والقوات المسلحة الجنوبية مبكرًا، منح المليشيات الحوثية مساحات واسعة للمناورة وتجميع القوى وتطوير الترسانة التدميرية، حتى تحولت إلى أداة طهران المباشرة لوضع يدها على أرقام الشحن والتحكم في إمدادات الطاقة العالمية.

وتكشف قراءة التحولات الميدانية أن استغلال فترات التهدئة والالتفاف على القرارات الدولية أتاح للمليشيات الانتقال من دائرة التهديدات المحدودة إلى مربع التهديد الشامل للملاحة البحرية. 

وأمام هذا الواقع المتفاقم، أضحت الحاجة ملحة لصياغة استراتيجية ردع حقيقية تتجاوز البيانات الشفهية إلى الشراكة العملياتية الفاعلة مع القوى الجنوبية المالكة للأرض وللجاهزية العسكرية الصلبة، حيث يشكل تمكين القوات المسلحة الجنوبية الركيزة الأساسية والوحيدة القادرة على تأمين الموانئ والحرص على سلامة الممرات المائية، وإفشال مخططات تحويل باب المندب إلى نقطة اختناق دائم تعطل التجارة الدولية وتخدم الأجندات التوسعية بالمنطقة.

جذور الأزمة والتمدد الإيراني: كيف تحول التردد السياسي إلى تهديد جيو-سياسي؟

طوال السنوات الماضية، تُركت المليشيات الحوثية دون رادع حقيقي أو ضغط عسكري وسياسي يكسر شوكتها ويحد من طموحاتها التوسعية، حيث جرى استغلال الهدن الشكليّة ومسارات التفاوض المتعثرة لتجميع الصفوف، وإعادة بناء الترسانة العسكرية المتقدمة بدعم مباشر ومستمر من النظام الإيراني وفيلق القدس. 

ولم تكن هذه الاستعدادات سوى ترتيبات منظمة لانتظار الأوامر الصريحة الصادرة من طهران لبدء مرحلة جديدة من الصراع، تهدف إلى فرض السيطرة النارية المباشرة على مضيق باب المندب، وتحويل هذا الممر المائي الاستراتيجي الذي تمر عبره نحو 12% من التجارة العالمية إلى ورقة ابتزاز سياسي وعسكري بامتياز.

وتنسخ المليشيات اليوم التكتيكات العدوانية ذاتها التي يمارسها الحرس الثوري الإيراني في مضيق هرمز، من خلال زرع الألغام البحرية العشوائية في المياه الإقليمية والدولية، واستهداف سفن الشحن وناقلات النفط بالصواريخ الباليستية والمجنحة، وتسيير الزوارق المفخخة والطائرات المسيرة، فضلًا عن تنفيذ عمليات القرصنة واحتجاز السفن التجارية واختطاف طواقمها. 

إن هذا السيناريو المكرر يسعى بشكل مباشر إلى تحويل جنوب البحر الأحمر إلى منطقة خطر دائم، وإجبار القوى الدولية على الخضوع لشروط طهران وأذرعها بالمنطقة، مما ينعكس سلبًا على الأمن القومي العربي والأفريقي ويضرب استقرار الدول المحاذية لخليج عدن والبحر الأحمر في مقتل.

تقارير أممية واقتصادية توثق الكلفة الباهظة: انكماش التجارة وارتفاع أجور الشحن

تستند المخاوف التحذيرية التي ظل الجنوب العربي يطرحها أمام المحافل الدولية إلى بيانات ومؤشرات رقمية صادرة عن أكبر المؤسسات الهيكلية والأممية المتابعة لحركة التجارة. فوفقًا لتقارير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أنكتاد) الصادرة في أواخر عام 2024 والمحدثة في دوريات عامي 2025 و2026، أدت الاعتداءات المباشرة على السفن في باب المندب إلى انخفاض الحركة البحرية عبر هذا الممر الحيوي بنسبة بلغت 55%، مما أجبر مئات الناقلات وسفن الحاويات على تغيير مساراتها الملاحية نحو طريق رأس الرجاء الصالح حول القارة الأفريقية. وأوضحت تقارير أنكتاد أن هذا الالتفاف الملاحي تسبب في زيادة زمن الرحلات البحرية بمقدار 10 إلى 14 يومًا، مما أدى إلى ارتفاع استهلاك الوقود والانبعاثات الكربونية، وزيادة تكاليف الشحن البحري للحاويات بمعدلات تجاوزت 300% مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة.

ولم تقتصر الآثار الاقتصادية على الشحن الفعلي، بل امتدت لتشمل قفزات حادة في أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، والتي ارتفعت بنسب قياسية أثرت مباشرة على أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية والإمدادات الطبية المتجهة إلى دول المنطقة والعالم. وأكد تقرير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن الدولي المعني باليمن، الصادر في أواخر عام 2024 والمحدث في تقاريره لعام 2026، أن المليشيات الحوثية استطاعت تطوير قدراتها البحرية والعسكرية عبر شبكات تهريب منظمة ممتدة من إيران، شملت مكونات الصواريخ المضادة للسفن، ومعدات التوجيه الكهروبصرية، والألغام البحرية الذكية. وأوضح التقرير الأممي أن الاستمرار في استهداف الملاحة البحرية لا يعطل حركة التجارة فحسب، بل يتسبب في إضرار بيئي جسيم بالمحيط البحري لخليج عدن والبحر الأحمر نتيجة تسرب النفط والمواد الكيميائية الخطرة من السفن المستهدفة، مما يهدد الثروة السمكية والتنوع البيولوجي الذي يعتمد عليه ملايين السكان في الشريط الساحلي.

الجنوب العربي كركيزة للحل والاستقرار: الشراكة الندّية وتثبيت الأمن البحري

أمام هذا الانهيار الأمني والتداعيات الكارثية على حركة الاقتصاد العالمي، يتجلى بوضوح صحة الموقف الجنوبي الرصين الذي ما دام أكد أن حماية الممرات المائية وتأمين الملاحة الدولية لن يتحققا عبر التهدئة العابرة أو الرهان على كيانات سياسية هشة أثبتت التجربة عجزها الميداني. إن المجلس الانتقالي للجنوب العربي والقوات المسلحة الجنوبية يمتلكان السيطرة الميدانية والتواجد المباشر على طول الشريط الساحلي الممتد من المهرة وحتى باب المندب، ويشكلان القوة الحقيقية الوحيدة القادرة على تأمين الأرض والبحار وإحكام الرقابة الساحلية ومكافحة شبكات التهريب والقرصنة. وقدم الجنوب العربي، عبر مؤسساته العسكرية والأمنية، نموذجًا ناجحًا في دحر التنظيمات الإرهابية وتأمين الموانئ الاستراتيجية وفي مقدمتها العاصمة عدن وميناء المكلا، مستندًا إلى عقيدة قتالية صلبة وحاضنة شعبية واسعة ترفض التمدد الإيراني بكافة أشكاله.

ورغم كافة محاولات الإنهاك الممنهجة للجبهة الداخلية الجنوبية بالحروب الاقتصادية والأزمات الخدمية المفتعلة، تواصل القيادة الجنوبية تأكيد جاهزيتها القتالية والتنظيمية للتنسيق مع القوى الإقليمية والدولية الفاعلة لتشكيل منظومة دفاعية وأمنية حازمة لحماية خطوط التجارة العالمية. غير أن هذه الشراكة الاستراتيجية تشترط، وفقًا للثوابت الوطنية الجنوبية، أن تُدار على أساس الشراكة الندّية والواضحة، مع الاعتراف الصريح بشرعية القضية الجنوبية واستقلالية القرار السياسي والعسكري للشعب الجنوبي. إن تجاوز التهميش والإصغاء للرؤية الجنوبية يمثلان المفتاح الأساسي لاستعادة التوازن العسكري في المنطقة، وتفكيك أدوات الابتزاز الإيراني، وضمان الأمان المستدام لجنوب البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب.

ويثبت المشهد الملاحي والأمني القائم أن التهاون مع الجماعات الإرهابية والرضوخ لسياسات الأمر الواقع ينتهيان دائمًا بكوارث تشل الاقتصاد العالمي وتهدد السلم والأمن الدوليين. لقد حان الوقت للمجتمع الدولي للتعاطي بجدية مع الواقع الميداني، والتخلي عن الحلول الترقيعية التي استغلتها المليشيات لبناء نفوذها وتوسيع اعتداءاتها. إن دعم القوات المسلحة الجنوبية والاعتراف بحق الجنوب العربي في إدارة وتأمين أرضه ومياهه الإقليمية هما الخطوة الاستراتيجية الأكثر فاعلية لحماية الشرايين المائية العالمية، وقطع يد التمدد الإيراني، وتأسيس مرحلة جديدة من الاستقرار المستدام تنعم بها المنطقة والعالم أجمع.