< الجنوب العربي أمام مرحلة حاسمة.. قرار شعبه ومستقبله فوق حسابات الصراع
متن نيوز

الجنوب العربي أمام مرحلة حاسمة.. قرار شعبه ومستقبله فوق حسابات الصراع

جنوب اليمن
جنوب اليمن

لم تعد القضية الجنوبية مجرد عنوان سياسي يظهر في لحظات التصعيد ثم يتراجع مع تغير الأحداث، بل أصبحت قضية متكاملة تتعلق بمستقبل شعب يمتلك هوية وخصوصية وتطلعات سياسية واضحة. ومع تعقّد المشهد في المنطقة، تبرز ضرورة أن يكون الجنوب العربي صاحب القرار في مستقبله، وألا تتحول إمكاناته البشرية والعسكرية والاقتصادية إلى أدوات في صراعات لا تضع مصالحه في مقدمة الحسابات.

وتفرض التطورات المتلاحقة إعادة النظر في طريقة التعامل مع القضية الجنوبية، بحيث لا يتم اختزالها في الملفات الأمنية أو العسكرية، وإنما يتم التعامل معها باعتبارها قضية سياسية وحقوقية وتنموية لها جذور عميقة، وتحتاج إلى معالجة تضع إرادة أبناء الجنوب في مركز أي ترتيبات مستقبلية.

القضية الجنوبية ليست ورقة مؤقتة

أثبتت السنوات الماضية أن تجاهل القضية الجنوبية لم يؤدِ إلى اختفائها، بل ساهم في زيادة حضورها داخل المجتمع وفي الخطاب السياسي.

فكلما تغيرت موازين القوى أو ظهرت أزمات جديدة، ظلت قضية الجنوب حاضرة باعتبارها أحد الملفات الأساسية التي لا يمكن تجاوزها عند البحث عن مستقبل مستقر.

ولهذا، فإن محاولة التعامل مع الجنوب باعتباره مجرد مساحة جغرافية أو قوة عسكرية تتغير أدوارها وفق احتياجات الصراع لا تعكس حقيقة المشهد، لأن الجنوب يمتلك قضية سياسية واضحة ترتبط بحقوق شعبه وتطلعاته.

شعب الجنوب صاحب الحق في تحديد مستقبله

يمثل حق أبناء الجنوب في تقرير مصيرهم جوهرًا أساسيًا في الرؤية السياسية للقضية الجنوبية.

فالمستقبل السياسي للجنوب يجب ألا يقرر بعيدًا عن أبنائه، كما أن أي ترتيبات يتم فرضها دون الاستماع إلى تطلعات المجتمع الجنوبي ستظل مفتقرة إلى مقومات الاستقرار والاستدامة.

ومن هنا، فإن احترام إرادة شعب الجنوب لا يمثل عقبة أمام السلام، بل يمكن أن يكون أحد أهم مداخل الوصول إلى تسوية أكثر واقعية، لأن السلام الذي يتجاهل أصحاب القضية لا يستطيع أن يصنع استقرارًا دائمًا.

القوات الجنوبية.. حماية الجنوب قبل أي حسابات أخرى

أثبتت القوات المسلحة الجنوبية حضورها في مواجهة التهديدات التي استهدفت الجنوب، وقدمت تضحيات كبيرة في الدفاع عن الأرض وحماية السكان.

لكن الدور العسكري للقوات الجنوبية يجب أن يرتبط أولًا بمصالح الجنوب وأمنه، وألا يتم التعامل معها باعتبارها قوة متاحة لخوض معارك تخدم حسابات أطراف أخرى.

فالمقاتل الجنوبي الذي يدافع عن أرضه وشعبه يستحق أن تكون تضحياته مرتبطة بهدف سياسي واضح، وأن تنعكس هذه التضحيات على مستقبل قضيته، بدلًا من أن تنتهي المعارك إلى تسويات تتجاهل حقوق الجنوب.

منطق الاستنزاف لم يعد مقبولًا

لم يعد من المقبول أن تكون القوات الجنوبية في مقدمة خطوط المواجهة عندما يحتاج الآخرون إلى قوتها، ثم تغيب القضية الجنوبية عندما تبدأ المفاوضات السياسية.

هذا النهج لا يحقق شراكة حقيقية، بل يعيد إنتاج دائرة الاستنزاف التي يدفع ثمنها أبناء الجنوب.

ومن ثم، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى معادلة مختلفة تقوم على ربط القوة العسكرية بالقرار السياسي الجنوبي، بحيث تكون أي مشاركة عسكرية محسوبة وفق مصالح واضحة، ولا تتحول إلى التزام مفتوح بمعارك لا تحقق مكاسب للقضية الجنوبية.

الثروات الجنوبية ليست تفصيلًا هامشيًا

لا يمكن فصل مستقبل الجنوب السياسي عن مستقبله الاقتصادي، خصوصًا في ظل امتلاكه موارد وثروات يمكن أن تشكل أساسًا لبناء اقتصاد قوي.

وتكمن أهمية هذه الموارد في قدرتها على تمويل التنمية وتحسين الخدمات وخلق فرص العمل وتطوير البنية التحتية، بشرط وجود إدارة رشيدة وشفافة تضمن توجيه العوائد إلى خدمة المجتمع.

ومن هنا، فإن إدارة الثروات الجنوبية تمثل قضية سيادية واقتصادية في الوقت نفسه، ويجب أن تكون جزءًا أساسيًا من أي رؤية للمستقبل.

الخدمات معيار نجاح أي مشروع سياسي

لا يستطيع المواطن أن يعيش على الشعارات السياسية وحدها، ولذلك فإن تحسين الخدمات يجب أن يكون في قلب المشروع الجنوبي.

الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والطرق وفرص العمل ليست ملفات ثانوية، وإنما هي المؤشر الحقيقي على قدرة المؤسسات على إدارة شؤون المجتمع.

ولهذا، فإن بناء مستقبل الجنوب يتطلب الجمع بين الدفاع عن الحقوق السياسية والعمل الجاد على معالجة الأزمات اليومية التي يعاني منها المواطنون.

الهوية الجنوبية.. قوة تجمع ولا تفرق

تظل الهوية الجنوبية من أهم عناصر التماسك المجتمعي، باعتبارها مساحة مشتركة تجمع أبناء الجنوب رغم اختلافاتهم السياسية والفكرية.

ويحتاج الحفاظ على هذه الهوية إلى تعزيز الوعي بالتاريخ والخصوصية الاجتماعية والثقافية للجنوب، مع تحويل هذا الوعي إلى مشروع سياسي وتنموي قادر على خدمة الإنسان الجنوبي.

فالهوية لا ينبغي أن تكون مجرد شعار، وإنما أساسًا لبناء مؤسسات تعبر عن المجتمع وتحمي حقوقه وتعمل على تحقيق تطلعاته.

وحدة الصف الجنوبي مفتاح المرحلة المقبلة

من أكبر التحديات التي تواجه الجنوب قدرة مكوناته وقواه السياسية والاجتماعية على الحفاظ على وحدة الصف.

فالخلافات الداخلية يمكن إدارتها بالحوار، لكن تحويلها إلى صراعات مفتوحة يضعف القضية ويمنح خصومها فرصة لاستغلال الانقسامات.

ولهذا، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تغليب القواسم المشتركة، وفي مقدمتها حماية الجنوب، وصون هويته، والدفاع عن حقوق أبنائه، وتحسين الخدمات، وحماية الموارد، وتعزيز الحضور السياسي للقضية.

المجلس الانتقالي والقضية الجنوبية

يحضر المجلس الانتقالي للجنوب العربي باعتباره أحد أبرز القوى السياسية التي تضع القضية الجنوبية في صدارة خطابها السياسي.

وتكمن أهمية المرحلة المقبلة في قدرة القوى الجنوبية على تعزيز العمل المؤسسي، وتطوير الرؤية السياسية، وتوحيد الخطاب حول الحقوق الأساسية لشعب الجنوب، بما يجعل القضية أكثر حضورًا وتأثيرًا في أي مسار سياسي قادم.

فالقضية تحتاج إلى قوة سياسية منظمة قادرة على الدفاع عن مصالح الجنوب، وتحويل التضحيات والمواقف الشعبية إلى مكاسب سياسية واضحة.

لا سلام حقيقي من دون حل عادل للقضية الجنوبية

أي حديث عن سلام مستدام يجب أن يتعامل مع القضية الجنوبية باعتبارها جزءًا أساسيًا من معادلة الاستقرار.

فإبقاء القضية خارج التسويات أو تأجيلها إلى أجل غير معلوم لن يؤدي إلى حل جذري، وإنما سيؤجل الأزمة ويترك أسباب التوتر قائمة.

أما الاعتراف بإرادة أبناء الجنوب وحقوقهم السياسية، وفتح الطريق أمام معالجة عادلة لقضيتهم، فيمكن أن يشكل أساسًا أكثر صلابة لبناء مستقبل مستقر.

الجنوب يملك حق رسم طريقه

في النهاية، فإن مستقبل الجنوب لا ينبغي أن يكون نتيجة صفقات مؤقتة أو حسابات قوى الصراع، وإنما يجب أن يرتبط بإرادة أبنائه ومصالحهم الوطنية.

لقد دفع الجنوب ثمنًا كبيرًا من دماء أبنائه، وقدم مقاتلوه تضحيات في ساحات المواجهة، وحان الوقت لأن تكون هذه التضحيات جزءًا من مسار سياسي يحفظ حقوقهم ولا يسمح بتهميش قضيتهم.

إن الجنوب العربي أمام استحقاق تاريخي يقوم على حماية هويته، وتعزيز وحدته، وصون موارده، وبناء مؤسساته، وتحسين حياة مواطنيه، والدفاع عن حق شعبه في تقرير مستقبله.

فالجنوب لا يطلب أن يكون تابعًا في أي معادلة قادمة، ولا يقبل أن تتحول قوته إلى أداة لخدمة الآخرين، وإنما يريد أن يكون صاحب قرار في أرضه ومستقبله، وأن تحظى قضيته بالمكانة التي تفرضها تضحيات أبنائه وإرادتهم السياسية.