تحرك دبلوماسي في جنيف.. المجلس الانتقالي الجنوبي يطالب بتحقيق دولي في الانتهاكات بالجنوب
ترأس الممثل الخاص للمجلس الانتقالي الجنوبي للشؤون الخارجية، عمرو البيض، وفدًا توجه إلى مدينة جنيف بالتزامن مع انعقاد الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، في تحرك دبلوماسي يستهدف طرح تطورات الأوضاع الإنسانية والحقوقية في الجنوب أمام المجتمع الدولي.
وجاءت زيارة الوفد في ظل تصاعد التوترات الأمنية والعسكرية في الجنوب، بالتزامن مع استمرار هجمات جماعة الحوثي المدعومة من إيران، وما يصفه المجلس الانتقالي بتزايد الانتهاكات بحق المدنيين وتضييق المجال العام في عدد من المناطق.
وفد المجلس الانتقالي في جنيف
أجرى وفد المجلس الانتقالي الجنوبي خلال وجوده في جنيف سلسلة من اللقاءات والمناقشات مع شركاء دوليين وممثلين عن منظمات وهيئات إنسانية دولية، بهدف عرض تقييم المجلس للتطورات الميدانية والحقوقية، والدفع باتجاه تحرك دولي أكثر فاعلية.
وركزت اللقاءات على تداعيات التصعيد العسكري والأمني على المدنيين، إلى جانب ما وصفه الوفد بتراجع مساحة العمل المدني والحقوقي، معتبرًا أن التطورات الأخيرة تستدعي اهتمامًا دوليًا أكبر وآليات واضحة للمساءلة.
اتهامات بتضييق الحيز المدني
استعرض الوفد خلال مباحثاته عددًا من الوقائع التي قال إنها تعكس اتساع نطاق التضييق على النشاط المدني والنقابي والإعلامي في الجنوب.
ومن بين الملفات التي جرى طرحها اقتحام مقار اتحاد نقابات عمال الجنوب، والاعتداءات المتكررة على صحفيين ونقابيين، فضلًا عن الاحتجاز التعسفي لقيادات نقابية نسائية، حسب ما أورده المجلس الانتقالي في عرضه أمام الشركاء الدوليين.
كما تناول الوفد الأحداث التي شهدتها مدينة المكلا في حضرموت في الأول من سبتمبر، وما قال إنه استخدام للذخيرة الحية ضد متظاهرين سلميين من جانب قوات مدعومة من أطراف إقليمية.
مطالب بآلية تحقيق دولية مستقلة
ودفع عمرو البيض باتجاه تشكيل آلية دولية مستقلة ومحايدة للتحقيق في الانتهاكات التي يقول المجلس إنها موثقة، مؤكدًا ضرورة عدم الاكتفاء برصد الأحداث أو إصدار المواقف السياسية، وإنما الانتقال إلى إجراءات عملية تضمن التحقيق والمساءلة.
ويرى المجلس الانتقالي أن وجود جهة تحقيق مستقلة يمكن أن يسهم في تحديد المسؤوليات بصورة أكثر وضوحًا، ويمنح الضحايا والمتضررين مسارًا قانونيًا للتعامل مع الانتهاكات، بعيدًا عن التجاذبات السياسية والأمنية.
وأكد المجلس استعداده لتقديم الدعم وتسهيل عمل أي لجان تحقيق مستقلة، في إطار ما يصفه بالتزامه بمبادئ العدالة والمساءلة القانونية.
دعوة الأمم المتحدة لمراجعة مقاربتها السياسية
وطالب الوفد الشركاء الدوليين والأمم المتحدة بضرورة ربط التحركات السياسية بالوقائع التي تحدث على الأرض، معتبرًا أن التعامل مع الأزمة من زاوية سياسية فقط لا يكفي لمعالجة أبعادها الإنسانية والحقوقية.
وشدد المجلس على أهمية أن تراعي النقاشات الدولية التطورات الميدانية في الجنوب، خصوصًا في ظل استمرار المحادثات والمسارات السياسية الإقليمية المرتبطة بالأزمة اليمنية.
وتعكس هذه المطالب محاولة من المجلس الانتقالي لتوسيع الحضور الدولي للملف الجنوبي، ونقل النقاش من الإطار السياسي والأمني إلى مساحة أوسع تشمل حقوق الإنسان والحريات العامة وحماية المدنيين.
تصعيد حوثي يضيف بُعدًا أمنيًا للأزمة
يتزامن التحرك الدبلوماسي في جنيف مع استمرار المخاوف من تداعيات التصعيد العسكري الذي تشنه جماعة الحوثي المدعومة من إيران، وما يرتبط به من تهديدات أمنية في اليمن والمنطقة.
ويرى المجلس الانتقالي أن استمرار التوتر العسكري، إلى جانب نشاط التنظيمات المتطرفة، يفاقم هشاشة الوضع الأمني ويزيد الضغوط على السكان، كما ينعكس على أمن الممرات البحرية وحركة الملاحة الدولية في البحر الأحمر.
ويمثل هذا الجانب أحد المحاور التي يسعى المجلس إلى إبرازها في خطابه الدولي، عبر الربط بين الاستقرار في الجنوب وبين أمن الملاحة ومواجهة التهديدات المسلحة في المنطقة.
تقرير المصير في صدارة الخطاب السياسي
لم يقتصر تحرك الوفد في جنيف على المطالب الحقوقية، إذ أعاد المجلس الانتقالي التأكيد على موقفه السياسي الداعي إلى الاعتراف بحق شعب الجنوب في تقرير مصيره.
ويضع المجلس هذا المطلب ضمن رؤيته لمعالجة جذور الأزمة اليمنية، معتبرًا أن الوصول إلى استقرار طويل الأمد يتطلب معالجة القضايا السياسية التي أسهمت في استمرار الصراع، وليس الاكتفاء بالتعامل مع تداعياته العسكرية والإنسانية.
ويربط المجلس بين تحقيق الاستقرار السياسي وبين بناء مؤسسات قادرة على فرض القانون ومواجهة الجماعات المسلحة والتنظيمات المتطرفة، مع التأكيد على استمرار تحركاته السياسية والدبلوماسية في المحافل الدولية.
لماذا تكتسب التحركات في جنيف أهمية؟
تكتسب مشاركة وفد المجلس الانتقالي في أعمال مجلس حقوق الإنسان أهمية خاصة، نظرًا لأن جنيف تمثل إحدى أبرز ساحات النقاش الدولي بشأن ملفات حقوق الإنسان والانتهاكات والحماية الإنسانية.
ومن خلال طرح الملفات الحقوقية أمام المنظمات الدولية، يسعى المجلس إلى وضع التطورات في الجنوب ضمن أجندة أوسع تتعلق بالمساءلة وحماية المدنيين، بالتوازي مع تحركاته السياسية المتعلقة بمستقبل القضية الجنوبية.
كما أن المطالبة بآلية تحقيق مستقلة تعكس رغبة في نقل ملف الانتهاكات من مستوى الاتهامات السياسية المتبادلة إلى مستوى التحقيق الدولي القائم على الأدلة وتحديد المسؤوليات.
الجنوب بين التصعيد العسكري والمسار السياسي
تأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه الأزمة اليمنية تعقيدات متعددة، تجمع بين التصعيد العسكري، والأوضاع الإنسانية، والخلافات السياسية، والتنافس على النفوذ، إلى جانب المخاوف المرتبطة بأمن البحر الأحمر.
ويعني استمرار هذه العوامل أن أي مسار سياسي لا يتعامل مع الوضع الميداني والحقوقي بصورة متوازنة قد يواجه صعوبات في تحقيق نتائج مستدامة.
وفي هذا السياق، يسعى المجلس الانتقالي إلى تعزيز حضوره الدبلوماسي، وطرح رؤيته أمام المؤسسات الدولية، مع التركيز على ملف حقوق الإنسان باعتباره أحد المداخل الرئيسية لإعادة صياغة النقاش حول مستقبل الجنوب.
تحرك دبلوماسي ورسائل متعددة الاتجاهات
يحمل التحرك في جنيف عدة رسائل، أولها مطالبة المجتمع الدولي بزيادة الاهتمام بالانتهاكات التي يقول المجلس إنها وقعت بحق المدنيين والنشطاء والصحفيين والنقابيين.
أما الرسالة الثانية فتتعلق بضرورة وجود تحقيقات مستقلة ومحايدة يمكنها تحديد المسؤوليات بعيدًا عن الاستقطاب السياسي.
وتتمثل الرسالة الثالثة في التأكيد على أن معالجة الأزمة اليمنية، من وجهة نظر المجلس الانتقالي، لا تنفصل عن قضية الجنوب ومطلب تقرير المصير، إلى جانب ضرورة بناء ترتيبات أمنية وسياسية تضمن الاستقرار وحماية المدنيين.
وبينما تستمر التوترات العسكرية والسياسية، يبدو أن المجلس الانتقالي يراهن على تكثيف تحركاته الخارجية لإعادة طرح القضية الجنوبية أمام المؤسسات الدولية، وربطها بملفات حقوق الإنسان والأمن الإقليمي والملاحة الدولية.