القوات المسلحة الجنوبية.. حائط صد أمام الحوثيين ومعركة مستمرة لحماية الجنوب من الإرهاب
في جنوب اليمن، لم تعد معركة الأمن والاستقرار مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة القوات المحلية على حماية المدن والمناطق المحررة والتصدي للمخاطر التي تهدد حياة السكان ومستقبل المنطقة. وخلال السنوات الماضية، برزت القوات المسلحة الجنوبية كطرف رئيسي في المواجهات مع ميليشيات الحوثي والتنظيمات الإرهابية، بالتوازي مع جهود تثبيت الأمن وملاحقة الجماعات المسلحة.
وتحظى تجربة القوات الجنوبية بأهمية خاصة في ظل تعقيدات المشهد اليمني، حيث تتداخل المواجهات العسكرية مع التحديات الأمنية والسياسية، بينما تظل مناطق الجنوب في مواجهة تهديدات متعددة، تبدأ من خطوط التماس مع الحوثيين ولا تنتهي عند خطر تنظيمات الإرهاب التي حاولت استغلال حالة الفوضى والانقسام لفرض وجودها في عدد من المناطق.
القوات الجنوبية في مواجهة الحوثيين
منذ تصاعد الحرب في اليمن، شكلت الجبهات الجنوبية واحدة من أبرز ساحات المواجهة مع ميليشيات الحوثي، التي حاولت التوسع عسكريًا وفرض سيطرتها على مناطق جديدة باستخدام القوة.
وفي مواجهة ذلك، خاضت القوات الجنوبية معارك عنيفة على أكثر من محور، وتمكنت وفق ما يورده مؤيدوها من الحفاظ على خطوط دفاعية مهمة ومنع تمدد الحوثيين باتجاه مناطق جنوبية أخرى.
ولم تكن المواجهة مقتصرة على الاشتباكات المباشرة، وإنما شملت عمليات عسكرية وأمنية استهدفت تحصينات ومواقع وتحركات للحوثيين، في ظل استمرار التوتر على خطوط التماس.
وتقدم هذه المواجهات صورة عن حجم التحديات التي تواجهها القوات الجنوبية، خصوصًا في ظل طبيعة التضاريس الصعبة واتساع مناطق الانتشار، إلى جانب استمرار التهديدات العسكرية والأمنية.
معركة الجنوب ضد الإرهاب
بالتوازي مع مواجهة الحوثيين، خاضت القوات الجنوبية معركة أخرى ضد التنظيمات الإرهابية، وفي مقدمتها تنظيمَا القاعدة وداعش، اللذان سعيا خلال فترات مختلفة إلى استغلال الفراغ الأمني لإنشاء ملاذات في مناطق جبلية ونائية.
وشاركت تشكيلات أمنية وعسكرية جنوبية، بينها قوات النخبة والأحزمة الأمنية وألوية الصاعقة والقوات البحرية، في عمليات استهدفت ملاحقة العناصر المسلحة وتفكيك أوكارها في عدد من المناطق.
وكانت طبيعة هذه المعركة مختلفة عن المواجهات التقليدية، إذ احتاجت إلى عمليات أمنية دقيقة وملاحقة لخلايا تتحرك في مناطق وعرة، إضافة إلى تأمين المدن والطرق والمنشآت الحيوية.
أوكار الإرهاب تحت الضغط
اعتمدت التنظيمات الإرهابية لفترات طويلة على المناطق الجبلية والأودية والمواقع النائية باعتبارها بيئة مناسبة للاختباء وإعادة تنظيم الصفوف.
لكن العمليات الأمنية والعسكرية المتتالية ضيقت، حسب الجهات الجنوبية، مساحة الحركة أمام تلك التنظيمات، وفرضت عليها ضغوطًا متزايدة حالت دون احتفاظها بمناطق نفوذ مستقرة كما كان يحدث في مراحل سابقة.
ولا تقتصر أهمية هذه العمليات على الجانب العسكري، إذ إن الحد من نشاط التنظيمات المسلحة ينعكس بصورة مباشرة على أمن المواطنين وحركة التجارة والتنقل، ويقلل من قدرة الجماعات الإرهابية على تجنيد عناصر جديدة أو ابتزاز السكان.
ثمن باهظ دفعته القوات الجنوبية
دفعت القوات الجنوبية ثمنًا بشريًا كبيرًا خلال سنوات المواجهة، مع سقوط أعداد من القتلى والجرحى في المعارك ضد الحوثيين والتنظيمات الإرهابية.
وتشكل هذه التضحيات أحد أبرز الملفات التي تستند إليها القوى الجنوبية في تأكيد أن قواتها كانت في مقدمة المواجهات التي شهدتها مناطق الجنوب، وأن ملف الأمن لم يكن بالنسبة إليها قضية سياسية فقط، وإنما معركة ميدانية مستمرة.
كما أن استمرار المواجهات في بعض الجبهات يفرض على القوات الجنوبية تحديات تتعلق بالجاهزية والتسليح والتدريب والقدرة على التعامل مع أنماط مختلفة من التهديدات، سواء كانت عسكرية مباشرة أو عمليات إرهابية تعتمد على الخلايا والأساليب غير التقليدية.
لماذا يمثل استقرار الجنوب أولوية؟
يمثل استقرار الجنوب عاملًا مؤثرًا في المشهد اليمني ككل، بالنظر إلى الموقع الجغرافي الحيوي للمنطقة واتصالها بممرات بحرية وطرق تجارية مهمة.
وأي تراجع أمني في المناطق الجنوبية يمكن أن يفتح المجال أمام الجماعات المسلحة لاستعادة نشاطها، وهو ما يجعل ضبط الأمن وحماية المدن والمرافق والمنشآت الحيوية مسألة تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.
ومن هنا تبرز أهمية بناء مؤسسات أمنية وعسكرية قادرة على العمل وفق منظومة واضحة، بما يضمن حماية السكان ومواجهة التنظيمات المسلحة ومنع عودة الفوضى إلى المناطق التي شهدت عمليات تحرير خلال السنوات الماضية.
القوات المسلحة الجنوبية والمرحلة المقبلة
لا تبدو التحديات أمام القوات المسلحة الجنوبية مرتبطة بالميدان وحده، فالمشهد يحتاج كذلك إلى تطوير القدرات الأمنية والاستخباراتية، وتحسين آليات حماية الحدود والمناطق الساحلية، وتعزيز قدرة القوات على مواجهة الخلايا الإرهابية والتهديدات غير التقليدية.
كما يمثل ضبط السلاح خارج المؤسسات الرسمية ومواجهة شبكات التهريب والجريمة المنظمة جزءًا مهمًا من أي استراتيجية طويلة الأمد لتحقيق الاستقرار.
وتشير التجربة الميدانية إلى أن الانتصار على التنظيمات المسلحة لا يتحقق بالعمليات العسكرية وحدها، وإنما يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل الأمن والتنمية وتحسين الخدمات وتعزيز ثقة السكان بالمؤسسات المحلية.
الجنوب أمام اختبار تثبيت الأمن
تكشف السنوات الماضية أن المعركة في الجنوب لم تكن مواجهة واحدة، وإنما سلسلة من المعارك المتداخلة ضد الحوثيين والتنظيمات الإرهابية ومظاهر الانفلات الأمني.
وبينما تواصل القوات الجنوبية تأكيد دورها في حماية المناطق التي تنتشر فيها، فإن المرحلة المقبلة تضع أمامها اختبارًا أكثر تعقيدًا يتمثل في الانتقال من منطق المواجهة العسكرية إلى تثبيت الأمن بصورة مستدامة.
فالقوة العسكرية تستطيع استعادة المناطق وطرد الجماعات المسلحة، لكن الحفاظ على الاستقرار يتطلب مؤسسات قادرة على منع عودة تلك الجماعات، وحماية المواطنين، وفرض القانون، وتأمين المدن والطرق والمنشآت الحيوية.
تضحيات الجنوب تتحول إلى قضية سياسية
أصبحت تضحيات القوات الجنوبية في مواجهة الحوثيين والتنظيمات الإرهابية جزءًا أساسيًا من الخطاب السياسي الجنوبي، حيث تستخدم القوى الجنوبية سجل المواجهات والتضحيات للتأكيد على دور أبناء الجنوب في حماية مناطقهم والدفاع عن أمنها.
ويرى أنصار القضية الجنوبية أن هذه التضحيات يجب أن تنعكس سياسيًا على مستقبل الجنوب، خصوصًا أن القوات الجنوبية تحملت، وفق هذا الطرح، جانبًا كبيرًا من أعباء المواجهة الميدانية.
وفي المقابل، فإن تحويل الإنجازات العسكرية إلى استقرار سياسي دائم يظل مرتبطًا بوجود مسار سياسي قادر على معالجة جذور الأزمة اليمنية والاستجابة للتطلعات الجنوبية ضمن ترتيبات واضحة.
معركة مستمرة لحماية الجنوب
بين مواجهة الحوثيين وملاحقة التنظيمات الإرهابية، تخوض القوات المسلحة الجنوبية معركة متعددة الجبهات، جعلت الأمن والاستقرار في مقدمة أولوياتها.
ومع استمرار التحديات، تظل قدرة القوات الجنوبية على حماية المناطق وتأمين المدن مرتبطة بتطوير مؤسساتها ورفع كفاءتها وتعزيز العمل الاستخباراتي والأمني، إلى جانب معالجة الأسباب التي تسمح للجماعات المسلحة بإعادة إنتاج نفسها.