< تركيا تلاحق الإسلاميين.. ماذا وراء الحملة؟
متن نيوز

تركيا تلاحق الإسلاميين.. ماذا وراء الحملة؟

متن نيوز

فتحت الملاحقات القضائية الأخيرة التي طالت جماعات دينية معارضة للحكومة التركية نقاشًا واسعًا حول حدود الفصل بين مكافحة الفساد والصراع السياسي في البلاد، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. وخلال أسابيع قليلة، شملت التحقيقات جماعتي “السليمانيين” و”وقف فرقان”، وسط اتهامات تتعلق بالفساد وغسل الأموال وتشكيل منظمات إجرامية والاحتيال على مؤسسات عامة.

 

وتأتي الإجراءات في سياق حملة أوسع طالت خلال الأشهر الماضية شخصيات ومؤسسات محسوبة على المعارضة، فيما ترى أطراف سياسية أن توسيع نطاق الملاحقات ليشمل جماعات دينية ذات نفوذ اجتماعي واقتصادي لا ينفصل عن مواقفها السياسية المناوئة للرئيس رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية. وفي المقابل، تؤكد السلطات أن الملفات تستند إلى تحقيقات مالية وأدلة جنائية، وأن الانتماء السياسي أو الديني ليس معيارًا للتحرك القضائي، وفق ميديا سكوب التركي، الأحد 23 أغسطس 2026.

ملاحقات متزامنة

 

أوقفت السلطات التركية رئيس “وقف فرقان” ألب أرسلان كويتول وزوجته سمرة وعددًا من أعضاء الوقف، في عملية أمنية شملت مداهمات وتحقيقات مع عشرات الأشخاص. وأعلن وزير العدل التركي أكين غورليك اتخاذ إجراءات قضائية شملت تعيين حراس على خمس شركات وحجب الوصول إلى 349 حسابًا على مواقع التواصل الاجتماعي، على خلفية اتهامات بالفساد والرشوة وغسل الأموال.

 

ويُعرف كويتول بمواقفه المعارضة للحكومة وانتقاداته الحادة لسياساتها، بينما تقول السلطات إن التحقيق لا يستهدف النشاط الديني للوقف، وإنما مخالفات جنائية ومالية نسبت إلى أشخاص مرتبطين به.

 

وقبل ذلك بنحو أسبوعين، فتحت النيابة العامة في أنقرة تحقيقًا ضد جماعة “السليمانيين” التي يقودها علي هان كوريش، قبل توقيفه على خلفية اتهامات تشمل تأسيس منظمة إجرامية وإدارتها والانتماء إليها، إضافة إلى غسل الأموال والاحتيال على مؤسسات ومنظمات عامة ومخالفات لقانون الإجراءات الضريبية.

شبكة مالية ضخمة

 

استند التحقيق الخاص بالسليمانيين، حسب النيابة العامة، إلى معطيات قدمها مجلس مكافحة الجرائم المالية، أظهرت حركة مالية كبيرة عبر أشخاص وشركات مرتبطة بالجماعة. وكشفت التحقيقات عن ارتفاع ملحوظ في معاملات عدد من الشركات وحجم مبيعاتها منذ عام 2020، بالتزامن مع عمليات اندماج واستحواذ وإنشاء شركات جديدة برؤوس أموال كبيرة وفي محافظات مختلفة.

 

وتشير المعطيات التي أعلنتها السلطات إلى تحويلات مالية تقترب قيمتها من 100 مليار ليرة تركية، أي نحو ملياري دولار، إضافة إلى امتلاك الجماعة مركزًا في مدينة كولن الألمانية تقدر قيمته بعشرات ملايين الدولارات.

 

وتحاول السلطات تقديم هذه المعطيات باعتبارها أساسًا ماليًا وقانونيًا للتحقيق، بينما يرى منتقدون للحكومة أن حجم التحرك وتوقيته يثيران تساؤلات بشأن ما إذا كانت الملاحقات تستهدف النشاط المالي المخالف للقانون وحده، أم تمتد إلى النفوذ السياسي والاجتماعي للجماعة.

جماعة ذات نفوذ واسع

 

تعود جذور جماعة السليمانيين إلى سليمان حلمي توناهان، الذي بدأ نشاطه في تعليم القرآن خلال عشرينيات القرن الماضي، في مرحلة شهدت تحولًا جذريًا في النظام التعليمي التركي عقب تأسيس الجمهورية.

 

ومع فرض الدولة نموذجًا تعليميًا موحدًا ومنع أنماط التعليم الديني التقليدي، اتجه توناهان إلى تعليم الطلاب بصورة فردية، قبل أن يتوسع نشاط الجماعة لاحقًا إلى مدن تركية ودول أخرى.

 

وبعد وفاة مؤسسها عام 1959، واصلت الجماعة توسعها، وأصبحت واحدة من أبرز الجماعات المرتبطة بالطريقة النقشبندية، مع شبكة واسعة من دور تعليم القرآن والمساكن الطلابية والمؤسسات والشركات في تركيا وخارجها، وفق صحيفة جمهوريت التركية.

إرث من الصدام السياسي

 

لا تنفصل المواجهة الحالية عن تاريخ طويل من التوتر بين جماعات دينية مختلفة والسلطة السياسية في تركيا. وبينما استفادت الجماعات الدينية خلال سنوات حكم العدالة والتنمية من هامش أكبر للحركة والعمل، شهدت العلاقة بين الحكومة وبعض هذه الجماعات تحولات حادة مع تغير التحالفات السياسية.

 

ويشير الكاتب والصحفي التركي بولنت شاهين إردغر في تصريحات لوسائل إعلام تركية، إلى أن السليمانيين اتخذوا تاريخيًا موقفًا معارضًا لحركة “الرؤية الوطنية” التي قادها رئيس الوزراء الراحل نجم الدين أربكان، والتي خرج منها أردوغان سياسيًا عبر حزبي الرفاه والفضيلة. ويقول إن الجماعة دعمت الجيش التركي في مواجهة أربكان، كما ساندت انقلاب 28 فبراير 1997، قبل أن تستمر في معارضة أردوغان بعد تأسيس حزب العدالة والتنمية.

 

ويرى إردغر أن هذا الإرث السياسي أصبح أكثر أهمية بعد الانتخابات الأخيرة، عندما دعمت الجماعة أحزاب المعارضة في مواجهة أردوغان، الأمر الذي جعل علاقتها بالحكومة أكثر توترًا.

صراع داخل الإسلاميين

 

ولا تقتصر القضية على الصراع بين الحكومة والجماعات الدينية، إذ أثارت عملية ملاحقة “وقف فرقان” نقاشًا حول الصراع داخل التيارات الإسلامية نفسها. وتنتمي الجماعة إلى التيار الإسلامي السني الحركي ذي الطابع الدعوي والسياسي، وليست جماعة صوفية بالمعنى التقليدي.

 

ويرى الصحفي التركي روشان تشاكير لصحيفة جمهوريت التركية أن الضغط الحكومي بات يطاول جماعات إسلامية لا تتبنى موقف أردوغان، مثل السليمانيين والنورسيين، رغم اختلاف مرجعياتها. ويعتبر أن التطورات الأخيرة تعكس صراعًا حول من يملك حق تعريف “الإسلام الصحيح”، مؤكدًا أن العلمانية تضمن، في رأيه، عدم احتكار الدولة أو أي جماعة لتعريف الدين وفرض تفسير واحد للإسلام.

اتهامات متبادلة

 

يضيف إردغر أن السليمانيين معروفون بدرجة عالية من الانغلاق ورفض إخضاع مؤسساتهم للرقابة الحكومية، مشيرًا إلى حوادث شهدتها مؤسسات تابعة للجماعة، من بينها حريق في إحدى مدارس تحفيظ القرآن أدى إلى وفاة أطفال.

 

وبحسب إردغر، تجمع الحكومة هذه الملفات إلى جانب الاتهامات المالية الحالية، فضلًا عن الاشتباه في وجود صلات بين الجماعة و”جماعة الخدمة” التي كان يقودها فتح الله غولن، والتي تتهمها أنقرة بالوقوف وراء محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016.

 

أما “وقف فرقان”، فيصفه إردغر بأنه أصغر حجمًا وأكثر تمركزًا في مدينة أضنة جنوبي تركيا، مشيرًا إلى أن السلطات تشتبه أيضًا في وجود صلات بينه وبين جماعة الخدمة. لكنه يلفت إلى أن التحقيق بحق كويتول يتضمن كذلك اتهامات مرتبطة باختطاف رجل أعمال كان عضوًا سابقًا في الجماعة، ومحاولة ابتزازه للحصول على أموال.

انتخابات 2028 في الخلفية

 

يرى إردغر أن توقيت الملاحقات لا يمكن فصله عن التحضيرات المبكرة للانتخابات العامة المقررة عام 2028، معتبرًا أن الانطباع السائد في الشارع التركي هو أن الحكومة تحاول تضييق المجال أمام الجماعات الدينية المعارضة لها، ومنعها من توظيف نفوذها الاجتماعي في دعم أحزاب المعارضة.

 

ويشير إلى أن الحكومة قد تستند إلى مبررات قانونية ومالية حقيقية، إلا أن الملاحقات قد تنتج أثرًا سياسيًا معاكسًا، يتمثل في منح الجماعات والشخصيات الموقوفة ما وصفه بـ”درع المظلومية”.

 

ويقول إن الجماعات المستهدفة تقدم الإجراءات باعتبارها حملة سياسية، وتطرح في المقابل سؤالًا حول سبب عدم إخضاع جماعات وطرق دينية أخرى للتحقيقات نفسها، خصوصًا تلك التي ترتبط بعلاقات جيدة مع الحكومة.

حملة أوسع

 

من جانبه، يرى الكاتب والباحث التركي طه عودة أوغلو في تصريحات لصحف تركية، أن من المهم التمييز بين استهداف جماعة السليمانيين بوصفها تنظيمًا دينيًا وبين التحقيق مع رئيسها وأشخاص مرتبطين بها. ويشير إلى أن الاتهامات المعلنة تتعلق بتشكيل وإدارة منظمة إجرامية والانتماء إليها، إضافة إلى غسل الأموال والاحتيال على جهات عامة ومخالفات ضريبية.

 

ويؤكد أوغلو أن التحقيق استند إلى معطيات هيئة التحقيق في الجرائم المالية، التي رصدت حركة أموال كبيرة عبر أشخاص وشركات مرتبطة بالجماعة. أما في قضية “وقف فرقان”، فيرى أن التحقيقات تتعلق بأفعال ارتكبها أشخاص مرتبطون بالوقف، ولا تعني بالضرورة تحميل الجماعة بأكملها مسؤولية جنائية.

 

لكن أوغلو يتفق على أهمية التوقيت، مشيرًا إلى أن الملاحقات الأخيرة تأتي بعد أشهر من حملة اعتقالات وتحقيقات واسعة طاولت شخصيات ومؤسسات مرتبطة بالمعارضة، بدءًا من رئيس بلدية إسطنبول المعزول أكرم إمام أوغلو، وصولًا إلى مؤسسات وشخصيات عامة أخرى.

الموقف السياسي والملاحقة الأمنية 

 

وتكشف الملاحقات المتزامنة عن معضلة تتجاوز ملف الجماعات الدينية نفسها، إذ تتقاطع فيها ملفات الفساد والتمويل والنفوذ الاقتصادي مع الاصطفافات السياسية في تركيا. فوجود مخالفات مالية أو جنائية محتملة لا ينفي حق السلطات في التحقيق، لكنه لا يحسم في المقابل الجدل حول دوافع اختيار التوقيت أو الجهات المستهدفة.

 

ومع اقتراب تركيا تدريجيًا من انتخابات 2028، يبدو أن السؤال الأهم لن يكون فقط حول صحة الاتهامات الموجهة إلى السليمانيين و”وقف فرقان”، بل حول ما إذا كانت الدولة تطبق معيارًا واحدًا على جميع الجماعات الدينية، أم أن الموقف السياسي أصبح عاملًا حاسمًا في تحديد من يخضع للملاحقة ومن يبقى بعيدًا عنها؟