< تمويل المواجهة: هل يتوافق الكونغرس مع إدارة ترامب لدفع فاتورة الحرب ضد إيران؟
متن نيوز

تمويل المواجهة: هل يتوافق الكونغرس مع إدارة ترامب لدفع فاتورة الحرب ضد إيران؟

الكونجرس
الكونجرس

تشهد دوائر صنع القرار الأمريكية حالة زخم واضحة حول إشكالية خطط الجمهوريين بشأن تمويل تكاليف الحرب ضد إيران. فمنذ أن أرسل البيت الأبيض إلى الكونغرس، في 24 يونيو الماضي، طلب تمويل إضافي بقيمة 87.6 مليار دولار -منها نحو 67 مليارًا لتغطية تكاليف الحرب مع إيران- وصولًا إلى نجاح مجلس النواب في تمرير أكبر ميزانية على الإطلاق للجيش تبلغ 1.15 تريليون دولار في 22 يوليو 2026؛ تدور نقاشات وخطط وطلبات لحاجة الولايات المتحدة لتخصيص مزيد من الإنفاق العسكري للحرب ضد إيران. 

تمويل مُلح وإنفاق استثنائي: 

تعكس الأحداث الجارية داخل الكونغرس الأمريكي على مدار شهري يونيو ويوليو، حاجة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والحزب الجمهوري؛ للمضي قدمًا في إقرار تمويل إضافي للحرب مع إيران، وقد انعكس ذلك في الخطوات التالية: 

1. طلب عاجل: طلبت إدارة ترامب، في 24 يونيو الماضي، من الكونغرس الأمريكي، تمويلًا إضافيًا مقداره 87،6 مليار دولار، على أن تخصص 67 مليار دولار منها لوزارة الدفاع تشمل؛ 21 مليارًا للذخائر والقدرات العسكرية الأخرى، و17،3 مليار للتكاليف التشغيلية و12،1 مليار لبرامج ومشاريع أخرى، في حين أن الباقي سيكون مخصصات مالية للمزارعين الأمريكيين، وجهود الاستجابة لتفشي فيروس إيبولا في وسط إفريقيا، ومشاريع بنى تحتية محلية. وقد جاء هذا الطلب غداة تبني الكونغرس قرارًا رمزيًا يدعو ترامب إلى إنهاء الأعمال العدائية ضد إيران؛ ما لم يمنح المشرعون تفويضًا صريحًا بالقيام بعمل عسكري.

2. سقف إنفاق مُرتفع: وافقت لجنة الميزانية التي يُسيطر عليها الجمهوريون في مجلس النواب الأمريكي، في 16 يوليو 2026، على قرار خطة ميزانية بقيمة 95 مليار دولار؛ لتلبية مطالب الرئيس دونالد ترامب بتخصيص تمويل دفاعي جديد للحرب على إيران، وتقديم مساعدات للمزارعين، وإجراء إصلاح شامل لشروط التصويت قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر المقبل. 

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الخطة ما هي إلا سقف إنفاق مبدئي، وإعادة توزيع للأولويات؛ بما يخدم أجندة الحزب الجمهوري الدفاعية والزراعية والانتخابية. ويعني فتح مسار المصالحة أن التمويل قد تتم الموافقة عليه بأغلبية بسيطة، بدلًا من تمريره بــ60 صوتًا؛ ما قد يعرقله بسبب المماطلة الحزبية. والجدير بالذكر أن سقف الإنفاق أُقر في مجلس النواب، يوم 22 يوليو الجاري، بأغلبية 216 مقابل 214 صوتًا، وقد أُرسل إلى مجلس الشيوخ. 

3. استجواب مُحتدم: شهدت جلسة استجواب وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث -بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين- أمام لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ حالة من التوتر والاحتجاج، بعدما أعلن أن تكلفة الحرب مع إيران بلغت 37.5 مليار دولار، فقد انتقدت السيناتور الديمقراطية باتي موراي إدارة ترامب لبدء الحرب دون تفويض من الكونغرس أو تقديم مبرر مقنع للأمريكيين؛ مستنكرة توافر الأموال للحرب في وقت تتحجج فيه الإدارة بعدم كفاية الموارد للرعاية الصحية والأطفال والإسكان.

4. إقرار أكبر موازنة للدفاع لعام 2027: أقرَّ مجلس النواب الأمريكي، في 22 يوليو 2026، مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني (NDAA) للسنة المالية 2027؛ والذي من شأنه أن يخصص أكبر ميزانية على الإطلاق للجيش تبلغ 1.15 تريليون دولار، وقد جاء الإقرار بتصويت أغلبية ضئيلة، مع وضوح في معارضة حادة من قبل الحزب الديمقراطي، الذي بدا رافضًا لحجم الميزانية.

استقطاب تمويلي: 

تعكس مناقشات تمويل الحرب مع إيران تصاعد الاستقطاب داخل الكونغرس بشأن حجم الإنفاق وأولوياته ومشروعية استمرار العمليات العسكرية، ولم يعد الخلاف مقتصرًا على طرفي الانقسام الحزبي، بل امتد إلى داخل الحزب الجمهوري، بالتزامن مع توظيف الحزمة انتخابيًا وتصاعد الجدل حول الرقابة التشريعية ومستقبل الحرب، وفيما يلي أهم الملاحظات التي تعكس هذه الحالة من الاستقطاب: 

1. تصاعد الاستقطاب الحزبي: تكشف التصويتات الأخيرة عن انتقال موازنة الدفاع من مساحة التوافق التقليدي بين الحزبين إلى مجال للاستقطاب الحاد؛ إذ أُقر قانون تفويض الدفاع بأغلبية 216 مقابل 212 صوتًا، بينما مرّ سقف الإنفاق بأغلبية 216 مقابل 214. ويعكس تقارب النتائج اعتماد القيادة الجمهورية على أغلبيتها المحدودة، مقابل رفض ديمقراطي شبه موحد لتمويل حرب لم تحصل من وجهة نظره على تفويض واضح من الكونغرس. 

2. تراجع الرقابة التشريعية: يُثير تخصيص الأموال للحرب مع إيران إشكالية العلاقة بين سلطتيْ الكونغرس والرئيس؛ فالإدارة بدأت العمليات دون تفويض عسكري جديد، ثم طلبت من المشرعين تمويل نفقاتها بعد وقوعها. ورغم أن إقرار التمويل لا يمثل قانونيًا تفويضًا بالحرب؛ فإنه قد يمنح الإدارة غطاءً سياسيًا غير مباشر لاستمرارها. وهكذا أصبح دور الكونغرس أقرب إلى تمويل القرارات التنفيذية اللاحقة بدلًا من المشاركة المسبقة في تحديد أهداف الحرب وحدودها. 

3. انقسامات جمهورية داخلية: لا يمثل الجمهوريون كتلة مُتجانسة تجاه الإنفاق؛ إذ يدفع صقور الدفاع نحو زيادة المخصصات لضمان استمرار العمليات وتجديد الذخائر، بينما يعترض المحافظون الماليون على إضافة عشرات المليارات إلى العجز دون تخفيضات مقابلة. كما يتحفظ بعض الأعضاء على تمويل الحرب، وقد ظهر ذلك في عدم تصويت سبعة جمهوريين لصالح مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني، ولعل أبرزهم النائب تشيب روي، الذي يُعرف بمعارضته المستمرة لقوانين التمويل المؤقتة التي لا تعالج خفض الإنفاق الحكومي أو التي تُمرر دون الالتزام بالمسار التشريعي الاعتيادي.

4. تناقض سياسي داخل المؤسسة التشريعية: يُلاحظ أن مجلس النواب أقر، في 22 يوليو 2026، إطار سقف إنفاقي بقيمة 95 مليار دولار؛ يمهد لإعداد مشروع قانون يشمل تمويلًا للحرب على إيران إلى جانب بنود أخرى. ولا يمثل إقرار إطار الموازنة تخصيصًا نهائيًا للأموال، وإنما يتيح للجان المختصة إعداد مشروع تفصيلي تمهيدًا لإعادة طرحه للتصويت في مجلس الشيوخ. 

وعلى النقيض، أقر مجلس النواب، للمرة الثانية في اليوم التالي؛ قرارًا يطالب ترامب بسحب القوات الأمريكية من الحرب. وحظي القرار بدعم جميع الديمقراطيين وأربعة جمهوريين؛ ما يعكس تصاعد الاعتراضات على إدارة الحرب دون تفويض من الكونغرس. ويكشف تزامن المسارين عن تناقض سياسي داخل المؤسسة التشريعية؛ إذ يسعى بعض الأعضاء إلى تقييد صلاحيات الرئيس في إدارة الحرب، بينما يظل الكونغرس مطالبًا في الوقت نفسه بالنظر في تمويل القوات والعمليات القائمة بالفعل. 

5. توظيف انتخابي للتمويل: يُلاحظ أن طلب البيت الأبيض وخطة سقف التمويل المقدرة بنحو 95 مليار دولار؛ لا يشتملان فقط على تمويل الدفاع والاستخبارات، وإنما على بنود أخرى مثل مساعدات للمزارعين وتمويل مرتبط بتشديد قواعد التصويت. ويكشف ذلك عن محاولة الجمهوريين بناء حزمة تخاطب صقور الأمن والولايات الريفية وقاعدة ترامب الانتخابية في وقت واحد؛ ومن ثم تحولت الموازنة الإضافية إلى منصة سياسية لانتخابات التجديد النصفي، بدلًا من بقائها استجابة مالية محددة للاحتياجات العسكرية الناجمة عن الحرب مع إيران.

6. أولوية الخارج على الداخل: يرى مراقبون أن منح الدفاع تفويضًا قياسيًا يبلغ 1.15 تريليون دولار، بالتزامن مع تخفيض أو تقييد بعض البرامج الاجتماعية؛ هو ما يُتيح للديمقراطيين انتقاد إدارة ترامب التي تولي اهتمامًا أكبر بمعطيات الحرب على حساب أولويات الداخل الأمريكي. وقد لخصت السيناتور باتي موراي هذا الاعتراض بالإشارة إلى توافر الأموال للعمليات العسكرية مقابل الحديث عن نقص موارد الصحة والإسكان ورعاية الأطفال؛ ولذلك أصبحت تكلفة الحرب جزءًا من الجدل الداخلي حول العدالة في توزيع الموارد العامة. 

7. الاستعداد لحرب مُمتدة: يعكس طلب تمويل عاجل بقيمة 87.6 مليار دولار مرورًا بخطة تشريعية بسقف 95 مليارًا، ووصولًا إلى تصريحات وزير الدفاع الأمريكي، بالتوازي مع تفويض دفاعي قياسي؛ دلالات مهمة تتلخص في التالي: 

• عدم كفاية المخصصات القائمة لتغطية النفقات العسكرية المتزايدة؛ مما يُشير إلى تصاعد الضغوط المالية التي تفرضها العمليات المستمرة على وزارة الدفاع. كما يدعم ذلك تقديرات سابقة أفادت بأن الحرب استنزفت بصورة خاصة موازنات القوات الجوية والبحرية، في ظل استمرار نشر حاملات الطائرات والقاذفات والسفن الحربية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، وما يرتبط بذلك من تكاليف تشغيلية ولوجستية وصيانة مرتفعة.

• تحوُّل الحرب من ظرف مؤقت إلى عنصر مؤثر في التخطيط العسكري والمالي الأمريكي. فكلما اتسعت برامج التسليح والانتشار المرتبطة بالمواجهة؛ ارتفعت كلفة الانسحاب السياسي منها؛ ولذلك قد يؤدي توسع التمويل إلى تعزيز قدرة الإدارة على مواصلة الحرب؛ لكنه يُضعف في المقابل فرص إنهائها سريعًا. 

• التعارض الواضح مع ما يروج له ترامب من أن الحرب قد حسمت بالفعل لصالح الولايات المتحدة، أو ما تروج له الإدارة الأمريكية من أن الجيش الإيراني أصبح مدمرًا وغير قادر على القتال.

تساؤلات الإنفاق: 

ثمَّة ثغرات تُثير تساؤلات مقلقة حول جدوى الحرب الأمريكية على إيران؛ حيث يطرح المعارضون لإدارة ترامب انتقادات تعزز الافتراض المطروح بأن "كلفة الحرب تبدو غير محسوبة"، وتتمثل هذه الانتقادات فيما يلي: 

1. إثارة التساؤلات حول تكلفة الحرب الحقيقية: في الوقت الذي أعلن فيه وزير الدفاع بيت هيغسيث، أن تكلفة الحرب بلغت حتى الآن نحو 37.5 مليار دولار؛ تشير بعض المصادر إلى أن التكلفة الفعلية يُرجح أن تكون أعلى بكثير من هذا التقدير؛ نظرًا إلى أنه لا يتضمن بعض النفقات، وفي مقدمتها تكاليف إعادة بناء القواعد والمنشآت العسكرية الأمريكية التي تعرضت لأضرار خلال الحرب. وإضافة إلى ذلك، ذكرت وكالة رويترز، في مارس 2026، أن إدارة ترامب قدرت أن تكلفة الأيام الستة الأولى من الحرب فقط؛ بلغت نحو 11.3 مليار دولار على الأقل؛ وهو ما يثير تساؤلات حول شفافية التقديرات الحكومية ومدى دقتها.

2. اتساع الفجوة بين التكلفة الفعلية والتمويل المطلوب: تثير الفجوة بين تكلفة الحرب المعلنة، والبالغة 37.5 مليار دولار، وحجم الطلب الجديد؛ تساؤلات بشأن طبيعة النفقات التي تسعى الإدارة إلى تمريرها، ومدى ارتباطها مباشرة بالعمليات في إيران. ويعزز ذلك الانتقادات التي ترى أن الإدارة تحاول استخدام حالة الطوارئ لتمويل أولويات دفاعية أوسع يصعب إقرارها من خلال إجراءات الموازنة المعتادة.

3. الشكوك بشأن إدارة الموارد القائمة: لا تقتصر التساؤلات على حاجة البنتاغون إلى أموال جديدة، بل تمتد إلى قدرته على استخدام الاعتمادات التي حصل عليها بالفعل؛ إذ أشار أعضاء ديمقراطيون في مجلس الشيوخ إلى أن الوزارة لم تكن قد أنفقت نحو نصف مخصصات سابقة بلغت قيمتها نحو 150 مليار دولار؛ وهو ما يشير إلى أن الأزمة قد ترتبط جزئيًا بتوزيع الأموال وترتيب الأولويات، وليس فقط بنقص الموارد المتاحة.

4. ضعف الشفافية وإدراج بنود لا ترتبط مباشرة بالنزاع: لا يتضمن طلب التمويل تفاصيل كافية بشأن أنواع الأسلحة والذخائر التي يعتزم البنتاغون شراءها، أو الكميات المطلوبة؛ في حين يتضمن مخصصات للأمن السيبراني، والطائرات المسيّرة، والبرامج السرية، والوقود، وتوسيع بعض القدرات الصناعية، إلى جانب بنود أخرى يرى منتقدون أن صلتها بالعمليات الحالية غير واضحة. وقد عزز ذلك التُّهم بأن الإدارة تستغل الحزمة الطارئة لتمرير أولويات دفاعية أوسع يصعب إقرارها عبر إجراءات الموازنة المعتادة.

5. التكلفة البديلة على الإنفاق الاجتماعي: يرى منتقدو الحزمة أن المبلغ المطلوب للحرب كان يكفي لتغطية مجموعة واسعة من البرامج الاجتماعية في السنة المالية 2027؛ تشمل تخصيص 35 مليار دولار لاستعادة دعم التأمين الصحي، و18.81 مليار دولار للرعاية الطبية للمحاربين القدامى، و18.6 مليار دولار لتعويض التخفيضات في برنامج المساعدات الغذائية، و8.8 مليار دولار لمضاعفة موازنة وكالة حماية البيئة، إضافة إلى 6.38 مليار دولار لتوفير وجبات مدرسية مجانية لجميع الأطفال المشاركين في البرنامج.

تداعيات مُحتملة: 

يمكن الوقوف على أبرز التداعيات المُحتملة على النحو التالي: 

1. التأثير في الجاهزية العسكرية: من شأن رفض الكونغرس إقرار التمويل الإضافي أن يفرض ضغوطًا مباشرة على الجاهزية العسكرية الأمريكية؛ إذ قد تضطر وزارة الدفاع إلى تقليص برامج التدريب الحالية والمستقبلية، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق لتوجيه الموارد المتاحة نحو العمليات الجارية. ولا يقتصر أثر ذلك على قدرة القوات على مواصلة الحرب بالمستوى نفسه، بل قد يمتد إلى إضعاف الاستعداد لمواجهة أزمات أو التزامات عسكرية أخرى؛ ما يضع الإدارة أمام خياريْن: إما خفض وتيرة العمليات في إيران، أو تمويلها على حساب التدريب والصيانة وبرامج التسليح؛ وهو ما قد يزيد الاستنزاف المؤسسي للجيش الأمريكي على المدى المتوسط.

2. إطالة أمد الحرب: قد يؤدي إقرار التمويل الإضافي إلى تخفيف القيود المالية المباشرة المفروضة على الإدارة الأمريكية، ومنحها هامشًا أوسع لمواصلة العمليات العسكرية ضد إيران، وتعويض الذخائر والمعدات المستهلكة، والحفاظ على جاهزية القوات المنتشرة في المنطقة؛ ومن شأن ذلك أن يقلِّص الضغوط التي قد تدفعها إلى خفض وتيرة التصعيد أو التعجيل بالتوصل إلى تسوية سياسية؛ ما يسمح بإطالة أمد العمليات. 

3. ضغوط اقتصادية مُتباينة: ترى بعض التحليلات أن إقرار زيادة الإنفاق الدفاعي من دون تدابير تعويضية أو مراجعة شاملة لأوضاع الموازنة الفدرالية؛ قد يؤدي إلى استمرار العجز والدين العام، وفي حال بدأ المستثمرون في تقييم الديون الأمريكية؛ فقد تتعرض أسعار الفائدة لمزيد من الضغوط؛ مما يرفع تكلفة الاقتراض أمام الشركات. وفي المقابل، من شأن إقرار التمويل التكميلي أن يدعم شركات الصناعات الدفاعية، إلى جانب المزارعين الأمريكيين.

4. مكاسب مُحتملة للديمقراطيين: قد يصب طرح تمويل إضافي للحرب في هذا التوقيت في صالح الديمقراطيين؛ إذ يمنحهم مادة سياسية لتعزيز خطابهم القائم على الربط بين استمرار حرب إيران، التي لا تحظى بتأييد شعبي واسع، وبين تفاقم الضغوط المعيشية التي تواجه الأسر الأمريكية، وإذا نجح الحزب الديمقراطي في استغلال هذه المعادلة؛ فقد يتحول التصويت على التمويل الإضافي إلى عبء سياسي على الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي، ولا سيما في الدوائر المتأرجحة، من خلال تصويرهم باعتبارهم يمنحون الأولوية لحرب خارجية مكلفة على حساب الأوضاع الاقتصادية للمواطنين.

وفي التقدير، تكشف معركة التمويل داخل أروقة الكونغرس أن الحرب مع إيران لم تعد مجرد عملية عسكرية محكومة باعتبارات الميدان، بل أصبحت اختبارًا للتوازن بين صلاحيات الرئيس وسلطة الكونغرس، وبين متطلبات الجاهزية الدفاعية وأولويات الداخل الأمريكي. فإقرار التمويل يمنح إدارة ترامب قدرة أكبر على مواصلة العمليات وتعويض الذخائر المستهلكة؛ لكنه قد يُطيل أمد الحرب ويضاعف كلفتها السياسية والاقتصادية. مع الملاحظة أن حراك تمويل المواجهة أصبح يأخذ بعُدًا انتخابيًا بين طرفي الانقسام الحزبي؛ ما سيجعله عاملًا رئيسيًا في تشكيل مسارات انتخابات التجديد النصفي الأمريكية. 

والواقع أن تمويل الحرب مع إيران، بكل متطلبات إنفاقها الحالية؛ يكشف عن حقيقة مفادها أن قوة الدولة لا تقاس فقط بمدى قدرتها على تحصيل أكبر ميزانية للدفاع وتمويل الحرب، بل بقدرتها على تحديد اللحظة التي يصبح فيها استمرارها أكثر كلفة من إنهائها. فالموارد المالية تمنح صانع القرار حرية الحركة في البداية؛ لكنها قد تتحول تدريجيًا إلى التزام سياسي يصعب التراجع عنه؛ إذ تخلق كل موازنة جديدة مؤسسات ومصالح وتوقعات تدفع نحو الاستمرار؛ ومن ثم لا يكون السؤال الحقيقي: هل تستطيع الولايات المتحدة تحمل كلفة الحرب؟ بل هل تمتلك مؤسسات صنع القرار الأمريكي -سواء أكانت التنفيذية أم التشريعية- الحكمة اللازمة لمنع تمويل الحرب وما يرتبط به من أن يكون سببًا لاستمرارها؟

*نقلًا عن: مركز المستقبل للدراسات السياسية والاستراتيجية