انتفاضة ثالثة على الأبواب.. الجيش الإسرائيلي يحذر من ممارسات بن غفير وسوكوت
حذرت جهات رفيعة المستوى في الجيش الإسرائيلي من أن سلسلة التحركات التي يقودها وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير وعضو الكنيست تسفي سوكوت في الضفة الغربية قد تدفع المنطقة نحو انفجار أمني واسع، يصل إلى حد اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة، في وقت تستعد فيه إسرائيل لانتخابات عامة ويواجه جيشها ضغوطًا متزايدة على أكثر من جبهة.
وبحسب ما أوردته صحيفة «معاريف»، فإن مسؤولين كبارًا في الجيش يرون أن تحركات بن غفير في قلنديا وسوكوت في قرية مادما قرب نابلس تسهم في تأجيج التوتر، واعتبروا أنها قد تكون مرتبطة بحسابات سياسية قبل الانتخابات.
وتأتي هذه التحذيرات في ظل تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية، وتزايد المخاوف داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من أن يؤدي تراكم الاعتداءات والإجراءات الاستفزازية إلى إشعال موجة مواجهات يصعب احتواؤها.
قلنديا ومادما.. شرارة التحذيرات
كان بن غفير قد اقتحم موقعًا تابعًا لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» في قلنديا، بعد سيطرة الشرطة الإسرائيلية على الموقع وبدء أعمال هدم فيه عقب إخلائه من الموظفين.
وفي تطور آخر، ظهر سوكوت في قرية مادما جنوب نابلس وهو يحطم نصبًا تذكاريًا فلسطينيًا باستخدام مطرقة ثقيلة، وذلك تحت حماية الجيش الإسرائيلي وعناصر من شرطة الحدود. وأثارت الواقعتان انتقادات داخل إسرائيل نفسها، بما في ذلك من شخصيات سياسية في الائتلاف والمعارضة.
وبالنسبة إلى المؤسسة العسكرية، لا تكمن المشكلة في كل حادثة منفردة بقدر ما تكمن في تأثير تراكم هذه الأحداث على الشارع الفلسطيني، خصوصًا في بيئة أمنية متوترة أصلًا.
الجيش: الضفة على حافة الانفجار
التحذير الأبرز جاء من قيادة المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي، التي ترى أن تصاعد اعتداءات المستوطنين بات يمثل عبئًا أمنيًا متزايدًا.
ونقلت التقارير عن اللواء آفي بلوط، قائد فرقة الضفة الغربية، تحذيره من أن جرائم المستوطنين تشبه «عود ثقاب» يمكن أن يشعل المنطقة بأكملها في لحظة، في وقت ينشغل فيه الجيش بصورة متكررة بالتعامل مع تداعيات هجمات المستوطنين بدلًا من التركيز على منع الهجمات الفلسطينية.
كما حذّر رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير والمستوى العسكري من خطورة الوضع، وفق التقارير نفسها، وسط تقديرات بأن الضفة الغربية باتت أقرب إلى نقطة انفجار أمني.
هذه التحذيرات تكشف عن خلاف أعمق داخل إسرائيل بشأن كيفية التعامل مع الضفة: هل تكون الأولوية لمنع التصعيد والحفاظ على الهدوء النسبي، أم توسيع الإجراءات التي يطالب بها اليمين المتطرف ضد الفلسطينيين؟
جيش منهك.. وساحة جديدة
يأتي التحذير العسكري في وقت يواجه فيه الجيش الإسرائيلي ضغطًا كبيرًا نتيجة استمرار العمليات في غزة ولبنان، إلى جانب التزامات أمنية متزايدة في الضفة الغربية.
ونقلت «معاريف» عن مصدر أمني إسرائيلي انتقاده للمطالب السياسية بتوسيع العمليات في مخيمات اللاجئين، قائلًا إن القوات الإسرائيلية فككت بالفعل التنظيمات المسلحة في عدد من المخيمات وتسيطر على الأرض، وإن فتح جبهة قتال جديدة سيزيد العبء على الجيش.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل الاعتماد الواسع على قوات الاحتياط. ففتح جبهة جديدة في الضفة لا يعني فقط انتشار وحدات إضافية، وإنما يعني استدعاء مزيد من القوات وإطالة فترة الخدمة في وقت يعاني فيه الجيش من استنزاف بشري وعملياتي.
ومن منظور المؤسسة العسكرية، فإن منع انتفاضة جديدة قد يكون أقل كلفة بكثير من محاولة إخمادها بعد اندلاعها.
لماذا «الانتفاضة الثالثة»؟
مصطلح «الانتفاضة الثالثة» لا يعني أن اندلاعها أصبح أمرًا محتومًا، وإنما يعكس حجم المخاوف الإسرائيلية من تحول التوتر المتراكم إلى موجة احتجاج ومواجهات واسعة.
فالضفة الغربية تشهد بالفعل اعتقالات ومداهمات واشتباكات، بالتوازي مع تصاعد هجمات المستوطنين ضد الفلسطينيين.
وقد حذر مسؤولون وسياسيون إسرائيليون خلال الأشهر الماضية من أن استمرار هذه الديناميات قد يحول الضفة إلى ما وصفوه بـ«برميل بارود». وفي يوليو/تموز، قال عضو الكنيست جلعاد كريف إن حكومة بنيامين نتنياهو ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش تدفع باتجاه انتفاضة ثالثة، وهي اتهامات سياسية تعكس حجم الانقسام الداخلي حول سياسة الحكومة في الضفة.
الانتخابات تدخل الحسابات
تزداد حساسية المشهد مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
ويعتقد منتقدو الحكومة أن بعض التحركات في الضفة وغزة تحمل أيضًا أبعادًا انتخابية، إذ يحاول اليمين تعزيز صورته باعتباره الطرف الأكثر تشددًا في مواجهة الفلسطينيين.
أما المؤسسة العسكرية فتخشى أن تتحول الحسابات السياسية إلى قرارات تفرض عليها لاحقًا التعامل مع نتائج أمنية أكثر خطورة.
وهنا يظهر أحد أهم خطوط التوتر داخل إسرائيل: المستوى السياسي يريد إظهار الحزم أمام جمهوره، بينما يرى الجيش أن المبالغة في التصعيد قد تنتج تهديدًا أمنيًا أكبر.
عنف المستوطنين.. المشكلة التي تتسع
لا ينظر الجيش الإسرائيلي إلى الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون باعتبارها قضية منفصلة عن الأمن القومي.
فكل هجوم على قرية فلسطينية أو ممتلكات أو رموز محلية يمكن أن يؤدي إلى احتجاجات واشتباكات، ثم إلى تدخل الجيش، ثم إلى سقوط إصابات واعتقالات، بما يخلق دائرة متصاعدة من العنف.
وقد حذرت منظمات حقوقية دولية أيضًا من أن تصاعد عنف المستوطنين والإفلات من العقاب يزيدان مخاطر حدوث انتهاكات جماعية في الضفة الغربية.
وفي المقابل، يرى اليمين الإسرائيلي أن تشديد الإجراءات ضد الفلسطينيين والمستوطنين المعارضين للسياسات الحكومية يمكن أن يفرض الردع ويمنع الهجمات.
لكن المؤسسة العسكرية تبدو أكثر تشككًا في قدرة القوة وحدها على إنتاج استقرار طويل الأمد.
بن غفير وسوكوت في قلب المواجهة
يمثل بن غفير وسوكوت تيارًا سياسيًا يدفع باتجاه سياسات أكثر تشددًا تجاه الفلسطينيين والاستيطان.
ولهذا فإن تحركاتهما في الضفة لا تُقرأ في إسرائيل باعتبارها مجرد نشاطين فرديين، بل كجزء من صراع سياسي أوسع على مستقبل الأراضي الفلسطينية.
وتكمن المشكلة بالنسبة إلى الجيش في أن هذه التحركات تتم أحيانًا تحت حماية القوات الأمنية نفسها، ما يجعل المؤسسة العسكرية طرفًا مباشرًا في تداعيات قرارات سياسية لا تتخذها هي.
وهذا يخلق معادلة شديدة التعقيد: الجيش مطالب بمنع التصعيد، لكنه قد يجد نفسه في الوقت نفسه مكلفًا بتوفير الحماية لتحركات يمكن أن تؤدي إلى زيادة التوتر.
هل اقتربت الانتفاضة فعلًا؟
لا توجد حتى الآن مؤشرات تسمح بالقول إن انتفاضة ثالثة أصبحت وشيكة أو حتمية.
لكن التحذيرات الصادرة عن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية مهمة لأنها تعكس اعتقادًا بأن البيئة الأمنية أصبحت شديدة الهشاشة، وأن أي حادث كبير قد يؤدي إلى سلسلة من ردود الفعل يصعب وقفها.
والخطر الأكبر ليس بالضرورة في قرار فلسطيني مركزي بإطلاق انتفاضة، بل في تراكم الأحداث المحلية: اعتداء للمستوطنين، اشتباك مع الجيش، سقوط قتلى أو جرحى، عملية فلسطينية، ثم رد عسكري واسع، لتدخل الضفة في دورة جديدة من التصعيد.
اختبار بين السياسة والأمن
تكشف التطورات الحالية عن فجوة متزايدة بين الحسابات السياسية والاعتبارات العسكرية داخل إسرائيل.
فاليمين المتطرف يرى في تشديد السيطرة على الضفة وتوسيع النشاط الاستيطاني جزءًا من مشروع سياسي وأمني طويل الأمد، بينما يحذر الجيش من أن الإجراءات نفسها قد تنتج تهديدًا أكبر وتفرض عليه فتح جبهة إضافية.
ومع اقتراب الانتخابات، تصبح هذه الفجوة أكثر حساسية.
فأي تصعيد كبير في الضفة يمكن أن يتحول إلى ورقة انتخابية، لكنه في الوقت نفسه قد يؤدي إلى كلفة بشرية وعسكرية وأمنية لا تستطيع إسرائيل التحكم في مسارها.
الضفة.. الجبهة التي يخشاها الجيش
في النهاية، لا يقول الجيش الإسرائيلي إن الانتفاضة الثالثة ستندلع حتمًا، لكنه يطلق تحذيرًا واضحًا من أن استمرار الممارسات التي تؤجج الاحتكاك قد يقود إلى نتيجة لا يريدها.
وبين تحركات بن غفير وسوكوت، وتصاعد عنف المستوطنين، والردود الفلسطينية، والضغط على القوات المنتشرة في غزة ولبنان والضفة، تتشكل بيئة أمنية قابلة للاشتعال.
ولهذا تبدو الرسالة العسكرية الإسرائيلية موجهة إلى الحكومة بقدر ما هي موجهة إلى الشارع: لا يمكن إدارة الضفة بمنطق التصعيد المستمر من دون احتمال دفع ثمن أمني أكبر.
ومع اقتراب الانتخابات، سيبقى السؤال الحاسم: هل تستجيب الحكومة لتحذيرات المؤسسة العسكرية وتسعى إلى احتواء التوتر، أم تستمر في سياسة التصعيد التي يخشى الجيش أن تحول الضفة الغربية إلى جبهة جديدة مفتوحة؟