«الفريجيون».. شبكة سرية داخل الوزارات تجهّز فرنسا لحكم ميلانشون
في الوقت الذي يستعد فيه المشهد السياسي الفرنسي لمعركة رئاسية مرتقبة، تتحرك مجموعة غير معلنة من كبار موظفي الدولة في اتجاه لافت: الاستعداد لاحتمال وصول جان-لوك ميلانشون وحزب «فرنسا الأبية» إلى السلطة، عبر بناء شبكة من الخبرات داخل مؤسسات الدولة يمكن أن تتحول، في حال فوز اليسار الراديكالي، إلى جزء من آلة الحكم.
المجموعة، التي اختارت لنفسها اسم «الفريجيون» نسبة إلى القبعة الفريجية، رمز الثورة الفرنسية والحرية الشعبية، بدأت في مايو/أيار 2026 بنحو 30 عضوًا، قبل أن يرتفع عدد المشاركين فيها إلى نحو 80 موظفًا خلال أشهر قليلة. وتقول مصادر إعلامية فرنسية إن أعضاءها يعملون في قطاعات واسعة من الإدارة، بما في ذلك الوزارات والقطاع المالي والدبلوماسية ومؤسسات أوروبية.
من داخل الدولة إلى مشروع الحكم
لا تقدم «الفريجيون» نفسها باعتبارها مجموعة ناشطة انتخابيًا بالمعنى التقليدي، بل كشبكة من الخبرات الإدارية التي تريد مساعدة «فرنسا الأبية» على تحويل أفكارها السياسية إلى سياسات قابلة للتطبيق.
ويعمل أعضاؤها على إعداد مذكرات ودراسات وأوراق عمل، واختبار المقترحات السياسية أمام الواقع الإداري والقانوني للدولة الفرنسية. وبحسب مصادر مرتبطة بالحزب، فإن الهدف هو ألا يصل ميلانشون إلى السلطة ببرنامج سياسي فقط، وإنما بملفات وخطط جاهزة للتنفيذ منذ الأيام الأولى للحكومة.
وهنا تكمن أهمية الشبكة بالنسبة إلى حزب ظل لسنوات في المعارضة: الانتقال من موقع الاحتجاج وطرح البدائل إلى إدارة دولة شديدة التعقيد، تضم جهازًا بيروقراطيًا واسعًا ومؤسسات مالية وقانونية ودبلوماسية لها آلياتها الخاصة.
نحو 80 موظفًا.. وانتشار داخل مفاصل الدولة
حسب المعلومات المتداولة عن المجموعة، لم تعد «الفريجيون» محصورة في دائرة صغيرة من المتعاطفين مع ميلانشون، بل بات لها حضور في عدد كبير من قطاعات الإدارة الفرنسية.
وتشير المعلومات المنشورة إلى وجود أعضاء في وزارات، بينها الاقتصاد والمالية، إضافة إلى بنك فرنسا والسلك الدبلوماسي، مع امتداد للشبكة إلى مؤسسات أوروبية. كما تضم موظفين من مستويات مختلفة في الإدارة المركزية والمحلية.
هذا الانتشار يمنح المجموعة ميزة سياسية مهمة: المعرفة من داخل الجهاز الذي يفترض أن ينفذ السياسات.
فبدلًا من أن تظل المقترحات الانتخابية شعارات عامة، يستطيع موظفون متخصصون تقدير كلفتها، والعقبات القانونية أمامها، والجهات الحكومية التي ستتولى تنفيذها، والمدة اللازمة للانتقال من القرار السياسي إلى التطبيق.
لماذا السرية؟
أكثر ما يثير الانتباه في «الفريجيون» ليس وجود موظفين متعاطفين مع حزب سياسي، وإنما الطريقة التي اختارت بها المجموعة تنظيم نفسها.
فبحسب المصادر التي تحدثت إلى وسائل إعلام فرنسية، يجري التواصل عبر قناة خاصة على تطبيق «تيليغرام»، مع اجتماعات حضورية دورية. ويخشى أعضاء المجموعة من أن يؤدي الكشف هوياتهم إلى الإضرار بمساراتهم المهنية، خصوصًا في ظل حساسية النشاط السياسي بالنسبة إلى كبار موظفي الدولة وضرورة التزامهم بالحياد الوظيفي.
ويرى المشاركون في الشبكة أن السرية لا تعكس فقط رغبتهم في حماية وظائفهم، بل أيضًا ما يعتبرونه مناخًا غير متسامح مع أنصار «فرنسا الأبية» داخل بعض دوائر الإدارة العليا.
لكن هذه السرية تفتح في المقابل سؤالًا سياسيًا حساسًا: أين ينتهي النشاط السياسي المشروع للموظف العام، وأين تبدأ الاستفادة من موقعه داخل مؤسسات الدولة لخدمة حزب بعينه؟
كليمانس غيتيه.. حلقة الوصل
تبدو النائبة عن «فرنسا الأبية» كليمانس غيتيه إحدى أبرز حلقات الوصل بين الشبكة والحزب.
وبحسب المعلومات المنشورة، التقت غيتيه بالنواة الأولى للمجموعة بعد وقت قصير من تأسيسها، قبل أن يتوسع التعاون بينها وبين الشبكة. ويشارك أعضاء «الفريجيون» في العمل على البرنامج السياسي للحزب، مع تركيز على كيفية ترجمة المبادئ السياسية إلى إجراءات حكومية.
ويكشف ذلك أن «الفريجيون» ليست مجرد تجمع عفوي من موظفين مؤيدين لميلانشون، بل أصبحت جزءًا من منظومة أوسع للاستعداد السياسي والإداري لانتخابات 2027.
من «الأقاليم البيئية» إلى الإعلام
وتشمل الملفات التي عملت عليها الشبكة مقترحات ذات طابع بنيوي، من بينها مشروع يتعلق بإعادة تنظيم بعض المناطق الفرنسية حول الأنهار تحت مفهوم «الأقاليم البيئية»، فضلًا عن أفكار تتعلق بتفكيك تركّز ملكية وسائل الإعلام.
وتعكس طبيعة هذه الملفات محاولة للتعامل مع الأسئلة التي ستواجه أي حكومة يسارية راديكالية إذا وصلت إلى الإليزيه: كيف تُترجم الأفكار البيئية والاجتماعية إلى إدارة محلية؟ وكيف يمكن تنفيذ إصلاحات في الإعلام دون الاصطدام بالدستور والقوانين الأوروبية؟ وما هي الكلفة المالية والمؤسسية لمثل هذه المشاريع؟
وبذلك يتحول دور «الفريجيون» من مجرد تقديم الدعم السياسي إلى ما يشبه مختبرًا إداريًا لبرنامج ميلانشون.
تجربة اليمين حاضرة في الخلفية
المفارقة أن بناء شبكات من هذا النوع ليس حكرًا على اليسار الفرنسي.
فبحسب تقارير فرنسية، سبق لحزب «التجمع الوطني» أن أنشأ منذ عام 2015 شبكة عرفت باسم «الهوراس»، جمعت خبراء وموظفين ومسؤولين بهدف تعزيز استعداد الحزب لممارسة السلطة.
وبالتالي، يمكن النظر إلى «الفريجيون» ضمن ظاهرة أوسع في السياسة الفرنسية: الأحزاب التي تطمح إلى الحكم لا تريد انتظار لحظة الفوز في الانتخابات لتكتشف كيفية إدارة الدولة، بل تسعى إلى بناء جسور مع موظفيها وخبرائها مسبقًا.
غير أن أهمية الحالة الحالية ترتبط بشخصية ميلانشون وبرنامجه السياسي، الذي يطرح تغييرات كبيرة في الاقتصاد والسياسة الخارجية والدولة الاجتماعية، ما يجعل الانتقال من المعارضة إلى الحكم أكثر تعقيدًا.
اختبار حقيقي لميلانشون
يخوض ميلانشون سباقًا رئاسيًا جديدًا في سن الخامسة والسبعين، في محاولة رابعة للوصول إلى الإليزيه، فيما لا يزال برنامجه السياسي يواجه انتقادات تتعلق بمدى قابليته للتنفيذ وتكلفته الاقتصادية.
وهنا يمكن أن تمثل «الفريجيون» محاولة للإجابة عن أحد أبرز الأسئلة التي تواجه «فرنسا الأبية»: ماذا ستفعل في اليوم التالي للفوز؟
فالخطابات الانتخابية يمكن أن تحشد الناخبين، لكن الحكم يتطلب شيئًا آخر تمامًا: مراسيم، موازنات، تشريعات، أجهزة تنفيذ، تفاوض مع المؤسسات الأوروبية، وإدارة آلاف الملفات اليومية.
وإذا نجحت الشبكة في إعداد هذه الملفات مسبقًا، فقد تقلص الفجوة بين البرنامج السياسي وقدرة الدولة على تطبيقه.
هل تمثل «دولة داخل الدولة»؟
رغم اللغة المثيرة التي تحيط بالمجموعة، لا تشير المعلومات المتاحة إلى أنها تعمل كجهاز موازٍ للدولة أو أنها تتخذ قرارات حكومية من داخل الوزارات. الأصح وصفها بأنها شبكة غير معلنة من موظفين يدعمون مشروعًا سياسيًا ويقدمون له خبراتهم المهنية.
لكن حساسية المسألة تكمن في طبيعة المواقع التي يشغلها بعض المشاركين. فالموظف الذي يمتلك معرفة تفصيلية بآليات الدولة يستطيع تقديم قيمة كبيرة لحزب سياسي، حتى من دون أن يستخدم صلاحياته الرسمية لصالحه.
ومن هنا يأتي الجدل حول الحياد الإداري: هل يكفي أن يلتزم الموظف بواجباته الرسمية، أم أن مشاركته السرية في إعداد برنامج حزب قد تخلق تضاربًا في المصالح أو على الأقل تثير شبهة سياسية؟
معركة 2027 تبدأ قبل صناديق الاقتراع
تكشف قصة «الفريجيون» أن المعركة على مستقبل فرنسا لا تدور فقط في استطلاعات الرأي والمناظرات الانتخابية، وإنما أيضًا داخل غرف الخبراء والدوائر الإدارية.
فميلانشون وحلفاؤه يحاولون، عبر هذه الشبكة، بناء قاعدة من المعرفة داخل الدولة يمكن أن تساعدهم على تجاوز أحد أكبر تحديات أي حركة سياسية راديكالية: كيف تتحول من قوة احتجاجية إلى قوة حاكمة من دون أن تبتلعها البيروقراطية؟
وفي المقابل، فإن توسع المجموعة إلى نحو 80 عضوًا خلال أشهر قليلة يشير إلى أن المشروع يأخذ شكلًا أكثر تنظيمًا، حتى لو ظلت هويات المشاركين وآليات عملهم محاطة بالسرية.
ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية، قد تصبح «الفريجيون» أكثر من مجرد شبكة غير معروفة للرأي العام. فإذا نجح ميلانشون في الاقتراب من قصر الإليزيه، فإن هؤلاء الموظفين قد يتحولون من مستشارين يعملون في الظل إلى جزء من الجهاز الذي سيحاول ترجمة مشروع «فرنسا الأبية» إلى واقع.
أما إذا فشل المشروع الانتخابي، فقد تبقى «الفريجيون» تجربة لافتة في تاريخ السياسة الفرنسية الحديث: محاولة بناء حكومة محتملة داخل الدولة قبل الوصول إلى السلطة.