< من «علي الطاهر» إلى الريحان.. تل أبيب ترسم طريقًا جديدًا لحصار حزب الله
متن نيوز

من «علي الطاهر» إلى الريحان.. تل أبيب ترسم طريقًا جديدًا لحصار حزب الله

متن نيوز

لا تبدو المعركة الإسرائيلية في جنوب لبنان محصورة في السيطرة على نقطة جغرافية بعينها، فالتصعيد حول مرتفعات «علي الطاهر» يتكشف تدريجيًا باعتباره جزءًا من تحرك أوسع يستهدف إعادة تشكيل المجال العسكري جنوب نهر الليطاني، وقطع خطوط الإسناد المرتبطة بمواقع حزب الله، وصولًا إلى مرتفعات الريحان ومحيطها.

وخلال الأسابيع الأخيرة، تصاعد التركيز الإسرائيلي على المنطقة الواقعة شمال الليطاني، بالتزامن مع غارات مكثفة وتحركات برية ومحاولات لتثبيت واقع عسكري جديد. وتقول تقارير لبنانية إن إسرائيل لا تكتفي باستهداف المواقع نفسها، وإنما تضغط أيضًا على طرق الإمداد ومناطق الإسناد المحيطة بها. 

«علي الطاهر».. بوابة استراتيجية

تكتسب مرتفعات «علي الطاهر» أهمية استثنائية بسبب موقعها المرتفع، إذ تقع بين كفرتبنيت والنبطية الفوقا، على ارتفاع يقارب 600 متر عن سطح البحر، وتطل على النبطية وإقليم التفاح وجبل الريحان ومحيط نهر الليطاني.

هذه الجغرافيا تمنح من يسيطر على المرتفعات قدرة أكبر على مراقبة محاور الحركة في مساحة واسعة، ولذلك تحولت المنطقة إلى واحدة من أبرز نقاط الصراع الحالية بين إسرائيل وحزب الله. 

وتقول تقارير إسرائيلية إن المنطقة تضم تحصينات ومنشآت تحت الأرض مرتبطة بحزب الله، بينما لم يؤكد الحزب هذه المعلومات أو ينفها بصورة مستقلة. كما أن إعلان الجيش الإسرائيلي في يونيو/حزيران الماضي السيطرة على التلة قوبل بنفي من حزب الله، الذي أكد استمرار وجود مقاتليه فيها، ما يعكس استمرار الخلاف حول الوضع الميداني للمنطقة. 

من السيطرة على الأرض إلى قطع الإمداد

المعادلة الجديدة التي تبدو إسرائيل بصدد اختبارها لا تقوم فقط على احتلال موقع عسكري، وإنما على عزل الموقع عن البيئة التي توفر له الإسناد.

فالغارات التي استهدفت محيط النبطية ومرتفعات الريحان وسجد ومناطق في البقاع الغربي تزامنت، حسب تقارير ميدانية، مع استهداف طرق ومناطق يُعتقد أنها تدخل ضمن شبكة الإمداد المتجهة إلى مواقع القتال في محيط علي الطاهر. 

وتعني هذه المقاربة أن الهدف الإسرائيلي يصبح أوسع من تدمير مستودع أو موقع إطلاق أو مركز قيادة؛ إذ تسعى الضربات إلى إضعاف قدرة حزب الله على نقل الأفراد والذخائر وإعادة تنظيم قواته، وبالتالي تقليص قدرته على الدفاع عن المرتفعات.

وهذه نقطة جوهرية في طبيعة المعركة: ضرب الشبكة التي تغذي الموقع، بدلًا من الاكتفاء بضرب الموقع نفسه.

الريحان.. الحلقة التالية؟

في هذا السياق، يبرز جبل الريحان باعتباره جزءًا مهمًا من الخريطة الجديدة للصراع. فقد تعرضت مرتفعات الريحان لضربات إسرائيلية متكررة، فيما تربط تقارير لبنانية بين التصعيد فيها وبين المعركة الأوسع حول علي الطاهر. 

وتكمن أهمية الريحان في موقعه ضمن سلسلة المرتفعات التي تتحكم بمحاور الحركة بين مناطق جنوبية عدة، ما يجعل الضغط عليه وسيلة محتملة لتوسيع نطاق العزل الجغرافي للمواقع التابعة لحزب الله.

وبالتالي، فإن الانتقال من علي الطاهر إلى الريحان لا يعني بالضرورة أن إسرائيل قررت شن عملية برية واسعة، لكنه يشير إلى محاولة توسيع دائرة الضغط وإجبار الحزب على التعامل مع أكثر من محور في الوقت نفسه.

النبطية في قلب الحسابات

تتجاوز أهمية هذه المعركة البعد العسكري المباشر. فالنّبطية تقع في قلب المشهد، والسيطرة على المرتفعات المحيطة بها تمنح القوات الإسرائيلية قدرة أكبر على مراقبة المدينة ومحيطها وفرض ضغط عسكري على طرق الحركة المؤدية إليها.

ولهذا السبب، تصف تحليلات عسكرية مرتفعات علي الطاهر بأنها نقطة ذات قيمة أكبر من مساحتها الجغرافية، باعتبارها جزءًا من منظومة مرتفعات تسمح بإدارة النيران ومراقبة محاور التحرك. 

كما أن الموقع يقع شمال الليطاني، وهو ما يضيف بعدًا سياسيًا إلى المعركة، في ظل الجدل المستمر حول حدود انتشار حزب الله ودور الجيش اللبناني والترتيبات الأمنية في جنوب البلاد. 

حزب الله أمام معركة استنزاف مختلفة

بالنسبة إلى حزب الله، لا تقتصر المخاطر على فقدان موقع أو مرتفع. التحدي الأكبر يتمثل في منع تحول الضربات الإسرائيلية المتتالية إلى شبكة ضغط متصلة تفصل بين مواقع القتال ومراكز الإسناد.

وتشير تقارير حديثة إلى أن الحزب يتعامل مع محيط علي الطاهر باعتباره منطقة حيوية، فيما تتحدث مصادر لبنانية عن تعزيز التحصينات والأنفاق في المنطقة. لكن هذه المعلومات تبقى في إطار التقارير الإعلامية التي يصعب التحقق من تفاصيلها ميدانيًا بصورة مستقلة. 

وكلما اتسعت دائرة القصف، يصبح الحزب أمام معادلة صعبة: الحفاظ على وجوده في المرتفعات من جهة، ومنع كشف طرق الإمداد ومواقع الإسناد من جهة أخرى.

هل نحن أمام تمهيد لحرب أوسع؟

القلق الأكبر في لبنان لا يتعلق فقط بما يجري على المرتفعات، بل باحتمال أن تتحول العمليات المحدودة إلى مواجهة أوسع.

وتشير تحليلات لبنانية حديثة إلى أن التصعيد حول علي الطاهر بات مرتبطًا بمخاوف من عملية إسرائيلية أكبر، في وقت تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع الضغوط السياسية والانتخابات الإسرائيلية المقبلة. 

لكن الانتقال إلى حرب شاملة ليس نتيجة حتمية. فإسرائيل قد تكون معنية بفرض وقائع ميدانية تدريجية وإضعاف قدرات حزب الله دون الدخول في عملية برية واسعة ذات كلفة بشرية وسياسية مرتفعة.

وفي المقابل، قد يرى حزب الله أن التخلي عن مواقع استراتيجية شمال الليطاني يفتح الباب أمام تغيير قواعد الاشتباك، الأمر الذي يجعل أي محاولة إسرائيلية للتقدم أكثر خطورة.

«العصب» الحقيقي للمعركة

المؤشر الأهم في التصعيد الحالي هو تغير طبيعة الأهداف. فالمعركة لم تعد تدور فقط حول منصات الصواريخ أو المقاتلين، وإنما حول الجغرافيا التي تسمح لحزب الله بالحفاظ على قدرته العسكرية.

من علي الطاهر إلى الريحان، ومن النبطية إلى محاور الإمداد في البقاع الغربي، تبدو إسرائيل وكأنها تحاول بناء حزام ضغط يهدف إلى تفكيك البيئة العملياتية للحزب تدريجيًا.

وهذا يفسر كثافة الضربات حول المواقع الرئيسية: فإذا تمكنت إسرائيل من السيطرة على المرتفعات أو عزلها، فإنها لا تحقق مكسبًا رمزيًا فحسب، بل يمكنها تقليص قدرة حزب الله على المناورة والحركة والإسناد.

وفي المقابل، فإن فشل هذا المسار قد يدفع إسرائيل إلى خيارات أكثر تصعيدًا، خصوصًا إذا رأت أن الضربات الجوية وحدها لا تحقق أهدافها.

وبينما تبقى التفاصيل الميدانية عرضة للتغير، فإن الرسالة الأوضح من التصعيد الأخير هي أن المعركة في جنوب لبنان تتحول من حرب على مواقع منفردة إلى صراع على شبكة كاملة من المرتفعات وطرق الإمداد ومراكز الإسناد.

وعليه، فإن «علي الطاهر» قد لا تكون سوى بداية لخريطة عملياتية أوسع، يكون جبل الريحان والنبطية ومحاور الإمداد جزءًا من حلقاتها التالية، فيما يبقى السؤال الأهم: هل تتوقف إسرائيل عند حدود الضغط والاستنزاف، أم أن السيطرة على هذه العقد الجغرافية ستصبح مقدمة لعملية برية أوسع في عمق الجنوب؟