الدب الروسي يواصل حصد المكاسب.. موسك تُعلن السيطرة على بلدة في دونيتسك الأوكرانية
أعلنت وزارة الدفاع الروسية، الثلاثاء 25 أغسطس/آب 2026، أن قواتها سيطرت على بلدة أنوفكا في جمهورية دونيتسك شرقي أوكرانيا، في أحدث إعلان روسي عن مكسب ميداني يأتي وسط تصاعد العمليات على جبهات عدة، بالتزامن مع استمرار الضربات بعيدة المدى بين موسكو وكييف.
وقالت الوزارة إن وحدات تابعة لمجموعة القوات الروسية «المركز» تمكنت من السيطرة على البلدة بعد عمليات هجومية، مضيفة أن القوات الروسية تواصل التقدم على محاور مختلفة من الجبهة. كما تحدثت موسكو عن إلحاق خسائر كبيرة بالقوات الأوكرانية وتدمير مواقع ومعدات عسكرية، إلى جانب اعتراض أعداد كبيرة من الطائرات المسيّرة خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية.
دونيتسك.. محور المعركة الأهم
تمثل دونيتسك إحدى أهم ساحات القتال في الحرب، إذ تسعى القوات الروسية إلى توسيع نطاق سيطرتها على الإقليم ودفع القوات الأوكرانية بعيدًا عن المراكز التي لا تزال تحت سيطرة كييف.
وتشير تقييمات عسكرية إلى أن موسكو تعمل على تهيئة الظروف لهجمات جديدة في عمق دونيتسك، خصوصًا عبر استهداف طرق الإمداد ومراكز القيادة والبنية اللوجستية الأوكرانية، بهدف عزل الوحدات المدافعة عن خطوط الدعم وإضعاف قدرتها على الصمود.
وتأتي السيطرة المعلنة على أنوفكا ضمن سلسلة إعلانات روسية متلاحقة خلال أغسطس عن الاستيلاء على بلدات في دونيتسك ومناطق أخرى. ففي 24 أغسطس، أعلنت موسكو السيطرة على ثلاث بلدات في مناطق سومي وزابوريجيا ودونيتسك، مؤكدة أن قواتها تتقدم على مختلف محاور الجبهة.
خسائر كبيرة.. لكن الأرقام محل خلاف
وتقول موسكو إن القوات الأوكرانية تكبدت خسائر بشرية ومادية كبيرة خلال العمليات الأخيرة. غير أن أرقام الخسائر التي تعلنها أطراف الحرب لا يمكن التعامل معها باعتبارها حقائق مستقلة، إذ لا تنشر روسيا وأوكرانيا عادةً بيانات يمكن التحقق منها بصورة مستقلة في الوقت الفعلي.
وفي المقابل، تعلن كييف بصورة دورية أرقامًا مرتفعة للخسائر الروسية. وقالت هيئة الأركان الأوكرانية، في بيانات نُشرت في 25 أغسطس، إن القوات الروسية تكبدت خلال اليوم السابق نحو 1230 فردًا، إضافة إلى خسائر في المسيّرات والمدفعية ومعدات أخرى. وهذه أرقام أوكرانية تقديرية وليست أرقامًا مؤكدة من مصادر مستقلة.
كما تشير تقييمات مستقلة إلى أن القوات الروسية نفسها تتحمل كلفة بشرية مرتفعة في مقابل المكاسب الميدانية. ووفق بيانات نقلها معهد دراسة الحرب، قالت أوكرانيا إن الخسائر الروسية خلال يوليو وحده بلغت أكثر من 42 ألفًا، وهو رقم قياسي شهري وفق التقديرات الأوكرانية.
موسكو تضغط.. وكييف تحاول التعويض
لا تعني السيطرة على بلدة واحدة بالضرورة حدوث اختراق استراتيجي في الجبهة، لكن تراكم المكاسب الصغيرة يمكن أن يفرض ضغوطًا متزايدة على الدفاعات الأوكرانية، خصوصًا إذا ترافق مع ضرب خطوط الإمداد ومراكز التجمع والقدرات اللوجستية.
وفي الوقت نفسه، تحاول القوات الأوكرانية تعويض الضغط على الجبهة من خلال تكثيف استخدام الطائرات المسيّرة والهجمات بعيدة المدى داخل الأراضي الروسية، واستهداف منشآت للطاقة والصناعة والنقل. وقد أدى هذا النمط من القتال إلى توسيع نطاق الحرب بعيدًا عن خطوط التماس التقليدية.
وتقول موسكو إن الهجمات الأوكرانية على منشآتها تمثل جزءًا متزايدًا من الحرب، بينما ترى كييف أنها وسيلة لرفع تكلفة العمليات الروسية وتقليص قدرة موسكو على إنتاج ونقل الأسلحة والوقود.
سباق استنزاف طويل
وتأتي التطورات الميدانية الأخيرة في وقت تبدو فيه الحرب أقرب إلى سباق استنزاف مفتوح منه إلى معركة يمكن حسمها بضربة واحدة.
وتشير تقديرات حديثة إلى أن روسيا حققت مكاسب إقليمية خلال أجزاء من صيف 2026، لكن وتيرة التقدم ظلت محدودة مقارنة بحجم الموارد البشرية والمادية التي يجري إنفاقها على العمليات. كما تظهر بيانات تتبع مستقلة أن مساحة الأراضي التي استولت عليها روسيا خلال بعض الفترات الأخيرة كانت أقل من فترات سابقة.
وفي المقابل، تواجه أوكرانيا تحديات متزايدة تتعلق بالذخائر والدفاعات الجوية والتمويل، في وقت تستعد فيه البلاد لمزيد من الضربات الروسية على البنية التحتية للطاقة مع اقتراب الشتاء.
هل تمهد مكاسب دونيتسك لهجوم أوسع؟
يبقى السؤال الأهم هو ما إذا كانت السيطرة على أنوفكا وغيرها من البلدات جزءًا من تحرك روسي أكبر يهدف إلى تحقيق اختراق في دونيتسك، أم أنها ستظل ضمن نمط التقدم التدريجي الذي ميز الحرب خلال الفترة الماضية.
وترى تحليلات عسكرية أن روسيا تحاول عزل المواقع الدفاعية الأوكرانية عن خطوط الإمداد قبل شن هجمات أوسع، وهو ما يجعل قيمة أي بلدة يتم الاستيلاء عليها مرتبطة بموقعها بالنسبة إلى الطرق والمراكز اللوجستية وليس بمساحتها وحدها.
وبذلك، فإن إعلان موسكو السيطرة على أنوفكا يمثل مكسبًا ميدانيًا جديدًا، لكنه لا يكفي وحده لإثبات حدوث تحول استراتيجي في الحرب. فالمعركة في دونيتسك لا تزال محكومة بمعادلة أكثر تعقيدًا: تقدم روسي تدريجي مقابل خسائر مرتفعة، ودفاع أوكراني تحت ضغط مستمر، وحرب مسيّرات وضربات بعيدة المدى توسّع نطاق الاستنزاف.
ومع استمرار الطرفين في تعزيز قدراتهما، تبدو الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت المكاسب الروسية الأخيرة ستتحول إلى اختراق واسع في شرق أوكرانيا، أم ستبقى ضمن حرب طويلة تستنزف الطرفين دون حسم نهائي.