تصعيد يؤجج جبهة أوكرانيا.. بوتين يراهن على «إنهاك الغرب»
تدخل الحرب الروسية الأوكرانية مرحلة جديدة من التصعيد، مع اتساع نطاق الضربات المتبادلة وتزايد الضغوط على البنية التحتية والاقتصاد، فيما يبدو أن موسكو تراهن بصورة متزايدة على عامل الزمن: إنهاك أوكرانيا واستنزاف داعميها الغربيين، بدل انتظار حسم عسكري سريع على الجبهة.
وفي أحدث مؤشرات التصعيد، كثفت أوكرانيا هجماتها بالطائرات المسيّرة داخل الأراضي الروسية، مستهدفة منشآت اقتصادية ولوجستية وصناعية. وخلال الأيام الأخيرة، تعرضت منشآت تابعة لشركة «أوزون» لهجمات في مناطق روسية عدة، بالتزامن مع ضربات طالت مصافي نفط ومنشآت مرتبطة بالصناعة العسكرية. وتقول تقارير إن هذه الضربات بدأت تفرض كلفة اقتصادية وأمنية متزايدة على موسكو.
في المقابل، تواصل روسيا استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة في قصف المدن والبنية التحتية الأوكرانية، في محاولة لإضعاف قدرة كييف على مواصلة الحرب، ورفع تكلفة الصمود بالنسبة إلى السكان والحكومة على حد سواء. وترى تحليلات حديثة أن موسكو تراهن على الضغط المتراكم، خصوصًا مع اقتراب الشتاء، حين يمكن لأضرار منشآت الطاقة والموانئ وشبكات الخدمات أن تتحول إلى عامل ضغط استراتيجي على الدولة والمجتمع الأوكرانيين.
رهان الكرملين: الزمن في مواجهة الغرب
لا يبدو أن استراتيجية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تقوم في المرحلة الراهنة على تحقيق اختراق عسكري كاسح في وقت قصير. فالمعركة تحولت منذ سنوات إلى حرب استنزاف طويلة، وفي مثل هذا النوع من الصراعات تصبح القدرة على تحمل الخسائر وإعادة إنتاج القوة العسكرية والاقتصادية أكثر أهمية من تحقيق انتصارات ميدانية محدودة.
وتشير تحليلات صادرة خلال أغسطس/آب إلى أن بوتين لا يزال يعتقد أن روسيا قادرة على مواصلة الحرب، وأن اقتصادها والقدرة على تجنيد القوى البشرية وإنتاج الأسلحة يسمحان لها بالاستمرار. ووفق هذا التصور، فإن مرور الوقت قد يعمل لمصلحة موسكو إذا بدأت الحكومات الغربية أو الناخبون فيها ينظرون إلى الدعم العسكري والمالي لأوكرانيا باعتباره عبئًا طويل الأمد.
وهنا تكمن أهمية «إنهاك الغرب» في الحسابات الروسية. فالمطلوب ليس بالضرورة هزيمة حلف شمال الأطلسي عسكريًا، وإنما إضعاف وحدة الموقف الغربي، وزيادة الخلافات بشأن حجم المساعدات وتوقيتها، ودفع العواصم الأوروبية إلى التفكير في تسوية تقلل كلفة الحرب حتى لو جاءت على حساب بعض المطالب الأوكرانية.
تصعيد يتجاوز حدود أوكرانيا
الأخطر أن الصراع لم يعد محصورًا في ساحات القتال الأوكرانية. فقد شهد عام 2026 تصاعدًا في المخاوف الأوروبية بشأن نشاطات روسية يُنظر إليها باعتبارها جزءًا من حرب هجينة تشمل التخريب والهجمات السيبرانية والضغط على البنية التحتية ومحاولات اختبار حدود الرد الغربي.
ويرى المجلس الأطلسي أن روسيا صعّدت ضغوطها على حلفاء أوكرانيا في أوروبا، بالتزامن مع استمرار الحرب داخل الأراضي الأوكرانية. كما أشار إلى حوادث مرتبطة بمسيّرات روسية في المجال الجوي لدول أعضاء في الناتو، مع تحذيرات أوروبية من اتساع حملة التهديدات.
وتحمل هذه الاستراتيجية رسالة مزدوجة: من جهة، تريد موسكو التأكيد أن دعم أوكرانيا ستكون له كلفة على أوروبا؛ ومن جهة أخرى، تحاول تجنب الوصول إلى مواجهة عسكرية مباشرة وشاملة مع الناتو.
أوروبا أمام اختبار الصبر
في المقابل، يحاول الأوروبيون منع تحول حرب الاستنزاف إلى انتصار روسي بالانتظار. ويأتي تعزيز القدرات الدفاعية الأوكرانية وتوسيع إنتاج الأسلحة داخل أوروبا وأوكرانيا ضمن استراتيجية تهدف إلى تقليل اعتماد كييف على الإمدادات الخارجية مع مرور الوقت.
وتظهر التطورات الأخيرة في بريطانيا مثالًا على هذا التحول، إذ تتجه لندن إلى دعم تطوير قدرات أوكرانية محلية لإنتاج صواريخ بعيدة المدى، بما يمنح كييف قدرة أكبر على ضرب أهداف روسية ويقلل من اعتمادها على مخزونات الحلفاء.
لكن المشكلة الأساسية تبقى في تفاوت قدرة الدول الغربية على تحمل حرب طويلة. فروسيا تستطيع تحويل جزء كبير من اقتصادها إلى خدمة المجهود الحربي، بينما تحتاج الحكومات الأوروبية إلى الحفاظ على التأييد الشعبي للإنفاق الدفاعي، وفي الوقت نفسه التعامل مع تكاليف الطاقة والتضخم والضغوط الاجتماعية.
الشتاء.. سلاح إضافي في حرب الاستنزاف
يكتسب الشتاء المقبل أهمية خاصة في الحسابات الروسية. فاستهداف منشآت الطاقة ومحطات الكهرباء وشبكات النقل والموانئ يمكن أن يضاعف الأعباء التي تواجهها أوكرانيا، خصوصًا إذا تزامن ذلك مع نقص في أنظمة الدفاع الجوي والذخائر.
وتحذر تحليلات حديثة من أن اجتماع الضربات الصاروخية مع أزمات الطاقة والحبوب والضغوط الاقتصادية والجدل السياسي الداخلي يمكن أن يضع كييف أمام اختبار شامل، لا يقتصر على قدرتها العسكرية في الجبهة.
ومن منظور موسكو، فإن تحقيق مكاسب صغيرة ومتراكمة قد يكون كافيًا إذا أدى في النهاية إلى تغيير حسابات الغرب: تقليص المساعدات، الضغط على كييف للقبول بتنازلات إقليمية، أو الدفع نحو اتفاق لا يحقق جميع الأهداف الأوكرانية.
هل تنجح استراتيجية الإنهاك؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات حاسمة على أن روسيا نجحت في كسر الإرادة الغربية. وعلى الرغم من استمرار الحرب لأكثر من أربعة أعوام، ما زالت دول أوروبية تؤكد دعمها لأوكرانيا، فيما تتجه بعض العواصم إلى زيادة قدراتها الدفاعية وإعادة بناء صناعاتها العسكرية.
كما أن موسكو نفسها تدفع ثمنًا كبيرًا للحرب. فالهجمات الأوكرانية بعيدة المدى بدأت تضرب منشآت اقتصادية داخل روسيا، فيما تواجه قطاعات روسية متزايدة تداعيات مباشرة للحرب. وتشير تحليلات حديثة إلى أن مكاسب القوات الروسية خلال الأشهر الأولى من 2026 تراجعت إلى مستويات منخفضة مقارنة بالسنوات السابقة، رغم استمرار قدرتها على القتال.
لذلك، فإن رهان بوتين على إنهاك الغرب ليس رهانًا مضمونًا، بل سباق بين قدرتين على التحمل. روسيا تراهن على أن الوقت سيضعف التحالف الداعم لكييف، بينما تراهن أوكرانيا وحلفاؤها على أن استمرار الضغط العسكري والاقتصادي سيجعل كلفة الحرب على موسكو أعلى من قدرتها على الاحتمال.
التصعيد الحالي لا يعني بالضرورة اقتراب حرب مباشرة بين روسيا والغرب، لكنه يعكس انتقال الصراع إلى مستوى أكثر تعقيدًا، حيث أصبحت الجبهة الاقتصادية والبنية التحتية والأمن الأوروبي والحرب الهجينة أجزاء أساسية من المعركة.
ويبدو أن بوتين يراهن على معادلة بسيطة: إذا لم تستطع روسيا حسم الحرب سريعًا، فعليها أن تجعل استمرارها أكثر كلفة على خصومها من استمرارها عليها.
أما الغرب، فيواجه السؤال المقابل: هل يستطيع الحفاظ على دعمه لأوكرانيا لفترة أطول من قدرة موسكو على تحمل كلفة الحرب؟
الإجابة عن هذا السؤال قد تكون أكثر حسمًا لمستقبل الحرب من أي تقدم محدود على خطوط الجبهة.