بعد رفض قيادات.. «حصر السلاح» يفجر خلافات داخل كتائب القسام
دخل ملف سلاح حركة حماس مرحلة أكثر حساسية، مع ظهور تقارير عن خلافات داخل قيادة كتائب عز الدين القسام بشأن مقترح حصر السلاح وتخزينه في قطاع غزة، في وقت تضغط فيه الولايات المتحدة ووسطاء إقليميون للدفع نحو تنفيذ ترتيبات نزع السلاح ضمن خطة أوسع لإنهاء الحرب وترتيب مستقبل القطاع.
وبحسب مصادر تحدثت إلى وسائل إعلام إسرائيلية، فإن الخلاف داخل القيادة العسكرية للقسام يدور بين اتجاه يحذر من أن تسليم أو حصر السلاح قد يعرّض الحركة وقادتها للاستهداف لاحقًا، واتجاه آخر يرى أن ترتيبات تدريجية لحصر السلاح يمكن أن تكون جزءًا من تسوية أوسع تضمن وقف الحرب وانسحاب القوات الإسرائيلية.
خلاف حول «الحصر» لا «التسليم»
يكتسب المصطلح أهمية خاصة في المفاوضات الجارية. فالمقترحات التي نوقشت خلال الأشهر الماضية لم تركز بالضرورة على تسليم الأسلحة فورًا، بل طرحت صيغة تقوم على حصر الأسلحة وتخزينها بصورة تدريجية، مع وضعها تحت إشراف جهة فلسطينية متفق عليها ومراقبة دولية.
هذه الصيغة حاولت تقديم حل وسط بين مطلب إسرائيل بنزع سلاح حماس بالكامل، ورفض الحركة التخلي عن أسلحتها بصورة مباشرة ومن دون ضمانات سياسية وأمنية.
وكانت كتائب القسام قد أعلنت في أبريل/نيسان الماضي رفض مناقشة نزع السلاح قبل تنفيذ إسرائيل التزامات المرحلة الأولى من الاتفاق، معتبرة أن طرح ملف السلاح في تلك المرحلة سابق لأوانه.
لماذا يرفض بعض قادة القسام؟
حسب التقارير التي تتحدث عن الخلافات الداخلية، يستند المعترضون إلى مخاوف من أن يؤدي التخلي عن السلاح إلى فقدان الحركة أوراق قوتها من دون الحصول على ضمانات حقيقية بشأن الانسحاب الإسرائيلي ومستقبل غزة.
وتتصل هذه المخاوف أيضًا بمسألة الثقة؛ إذ لا تزال إسرائيل تقول إن انسحابها الكامل من غزة مرتبط بإحراز تقدم في نزع سلاح حماس، بينما تربط الحركة أي خطوات كبيرة في ملف السلاح بوقف الحرب والانسحاب وإطلاق مسار سياسي. وقد ظهر هذا التناقض بوضوح في المفاوضات الأخيرة.
في المقابل.. مسار تفاوضي جديد
على الجانب الآخر، تشير تطورات أغسطس/آب إلى أن قيادة حماس السياسية دخلت في نقاشات أكثر تفصيلًا بشأن ترتيبات ما بعد الحرب.
فقد التقى رئيس الحركة الحالي خليل الحية المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر في القاهرة، في إطار محاولات دفع المرحلة الثانية من خطة السلام الأمريكية. وبحسب مصادر نقلت عنها «أكسيوس»، أعادت حماس تأكيد استعدادها للمضي في مسار يؤدي إلى نزع سلاحها، مقابل وقف دائم لإطلاق النار وانسحاب إسرائيلي وإعادة إعمار القطاع وترتيبات سياسية جديدة.
لكن ذلك لا يعني أن الحركة وافقت على تسليم ترسانتها بصورة فورية أو غير مشروطة، كما أن إسرائيل نفسها لم تقدم التزامًا نهائيًا بالانسحاب الكامل.
معضلة الأنفاق والأسلحة الثقيلة
ولا يقتصر ملف حصر السلاح على البنادق والصواريخ المخزنة، إذ يشمل أيضًا شبكة الأنفاق ومنشآت تصنيع وتخزين الأسلحة.
وتشير المقترحات المطروحة إلى أن معالجة هذه البنية العسكرية ستكون جزءًا من عملية طويلة ومتدرجة، مع مطالب بتقديم خرائط للأنفاق وضمان عدم إعادة استخدامها عسكريًا.
وهنا تظهر واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا: كيف يمكن تفكيك القدرات العسكرية لحماس من دون خلق فراغ أمني في غزة؟
فأي سحب للسلاح من دون وجود قوة أمنية بديلة قادرة على فرض النظام قد يفتح الباب أمام الفوضى أو ظهور جماعات مسلحة جديدة.
واشنطن تضغط.. وإسرائيل ترفض الانتظار
تضع الولايات المتحدة ملف نزع السلاح في قلب المرحلة المقبلة من خطة غزة، بينما تصر الحكومة الإسرائيلية على أن أي تقدم في وقف الحرب وإعادة الإعمار مرتبط بتفكيك القدرات العسكرية لحماس.
وفي المقابل، تطالب الحركة بأن يتزامن ملف السلاح مع خطوات مقابلة، وفي مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي وضمانات سياسية للفلسطينيين.
وأظهرت المحادثات الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة عدم وجود اتفاق نهائي على ترتيب هذه الخطوات، إذ لا تزال إسرائيل متحفظة على الانسحاب قبل التأكد من نزع سلاح حماس، بينما تتمسك الحركة بضرورة وجود ضمانات مقابلة.
هل تتحول الخلافات إلى انقسام؟
حتى الآن، لا توجد أدلة علنية كافية على أن الخلافات داخل القسام وصلت إلى حد الانقسام التنظيمي أو الانشقاق. وما يُنشر عن وجود تيارات متباينة يستند أساسًا إلى مصادر غير معلنة، ولذلك ينبغي التعامل معه بحذر.
لكن أهمية هذه التقارير تكمن في أنها تكشف حجم المعضلة التي تواجهها الحركة: فالموافقة على حصر السلاح قد تفتح الطريق أمام اتفاق سياسي ينهي الحرب ويتيح إعادة إعمار غزة، بينما يرى معارضون أن التخلي عن القدرة العسكرية من دون ضمانات واضحة قد يترك الحركة مكشوفة أمام إسرائيل.
اختبار مصيري لحماس وغزة
لا يتعلق ملف السلاح بمصير الجناح العسكري لحماس وحده، بل بمستقبل قطاع غزة بأكمله. فنجاح أي اتفاق يتطلب تحديد الجهة التي ستتولى الأمن، ومصير عناصر الفصائل، وطريقة التعامل مع الأنفاق والأسلحة المخزنة، وضمانات وقف الحرب والانسحاب وإعادة الإعمار.
وبينما تتحرك المفاوضات نحو صيغة تقوم على «حصر السلاح وتخزينه» بدلًا من تسليمه فورًا، تبدو كتائب القسام أمام أصعب قرار منذ بداية الحرب: الحفاظ على السلاح باعتباره ضمانة أمنية وسياسية، أم القبول بتقييده ضمن اتفاق أوسع قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة في غزة.
وفي النهاية، فإن نجاح هذا المسار لن يتوقف على موقف القسام وحدها، وإنما على قدرة الوسطاء على بناء صيغة متوازنة تجعل السلاح جزءًا من صفقة سياسية وأمنية شاملة، لا مجرد شرط يسبق بقية مراحل التسوية.