بغداد تطوّق جرف الصخر.. خطة لإنهاء نفوذ الفصائل وإعادة سلطة الدولة
تعود منطقة جرف الصخر، المعروفة رسميًا باسم جرف النصر، إلى واجهة المشهد العراقي مع تحرك حكومي جديد يهدف إلى تغيير المعادلة الأمنية والسياسية القائمة فيها منذ أكثر من عقد، عبر تطويق مواقع الفصائل المسلحة وتعزيز انتشار القوات الحكومية تمهيدًا لإعادة مؤسسات الدولة والسماح بعودة السكان النازحين.
وتقع جرف الصخر على بعد نحو 60 كيلومترًا جنوب بغداد، في موقع استراتيجي يربط العاصمة بمناطق في بابل وكربلاء والنجف والأنبار. وتمنحها طبيعتها الجغرافية، بما فيها البساتين والممرات المائية، أهمية أمنية وعسكرية جعلتها منطقة شديدة الحساسية منذ الحرب على تنظيم داعش.
من بلدة مأهولة إلى منطقة مغلقة
كانت جرف الصخر تضم سكانًا مدنيين، قبل أن تتحول إلى ساحة قتال خلال الحرب على تنظيم داعش عام 2014. وبعد استعادة المنطقة، بقيت عودة سكانها عالقة وسط تعقيدات أمنية وسياسية، بينما ترسخ نفوذ فصائل مسلحة في المنطقة.
وتشير تقارير حديثة إلى أن أعداد النازحين من المنطقة والمناطق المحيطة بها تُقدّر بأكثر من 100 ألف شخص، فيما ترفع تقديرات أخرى العدد إلى نحو 180 ألفًا. وبذلك أصبح ملف جرف الصخر واحدًا من أطول ملفات النزوح الداخلي تعقيدًا في العراق.
خطة «التطويق» بدلًا من الاقتحام
حسب تقارير عراقية، لا تتجه بغداد في المرحلة الأولى إلى اقتحام مواقع الفصائل داخل جرف الصخر، وإنما إلى فرض طوق أمني حول المنطقة وتشديد السيطرة على مداخلها والطرق المؤدية إليها.
وتتضمن الخطة، وفق المعلومات المنشورة، نشر قوات من الجيش وقوات أمنية مختصة حول مواقع الفصائل، وإنشاء نقاط تفتيش ومراقبة حركة الدخول والخروج، مع دراسة إحلال القوات الحكومية تدريجيًا محل بعض التشكيلات المسلحة.
وتعكس هذه المقاربة رغبة في استعادة السيطرة على المنطقة من دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع الفصائل التي تتمتع بنفوذ قوي فيها. وتشير مصادر إلى أن بغداد تراهن على الضغط التدريجي والتفاهمات السياسية أكثر من اعتماد القوة العسكرية الشاملة.
ارتباط الخطة بملف حصر السلاح
ويأتي التحرك في سياق أوسع يتعلق بجهود الحكومة العراقية لحصر السلاح بيد الدولة، مع تحديد نهاية سبتمبر/أيلول 2026 موعدًا نهائيًا ضمن المسار الحكومي الخاص بهذا الملف.
وتكتسب جرف الصخر أهمية خاصة في هذا السياق، إذ تُعد المنطقة أحد أبرز مواقع نفوذ فصائل مسلحة مرتبطة بالحشد الشعبي، فيما تصف تقارير إعلامية كتائب حزب الله بأنها صاحبة نفوذ واسع فيها.
وبالتالي، فإن إعادة انتشار القوات الحكومية في جرف الصخر لا تتعلق فقط بعودة السكان، وإنما تمثل اختبارًا لقدرة بغداد على فرض قراراتها الأمنية في مناطق ظلت لسنوات خارج السيطرة الحكومية المباشرة.
لماذا جرف الصخر مهمة؟
تتجاوز أهمية المنطقة حدودها الجغرافية. فموقعها يجعلها حلقة وصل بين بغداد ووسط وجنوب العراق، كما أن السيطرة عليها تمنح نفوذًا على طرق حيوية بين عدد من المحافظات.
ولهذا السبب تحولت جرف الصخر خلال السنوات الماضية إلى رمز للتداخل بين الأمن والسياسة والنفوذ المسلح والنزوح والتوازنات الطائفية في العراق. وتربط دراسات حول التغير الديموغرافي في العراق ملف المنطقة بظاهرة النزوح والتهجير التي تفاقمت بعد عام 2014.
عودة النازحين.. الهدف الأصعب
تقول بغداد إن إعادة السكان إلى مناطقهم الأصلية تمثل جزءًا أساسيًا من معالجة الملف، لكن العودة لا تبدو عملية سهلة.
فإلى جانب الحاجة إلى تأمين المنطقة، تبرز قضايا تتعلق بالتدقيق الأمني، وإعادة الخدمات، وإزالة آثار الحرب، وإعادة الممتلكات والمؤسسات الحكومية. كما أن استمرار نفوذ الفصائل المسلحة يمثل عقبة سياسية وأمنية أمام عودة واسعة ومستقرة للسكان.
وتؤكد تقارير حديثة أن الحكومة تدرس إعادة فتح المنطقة أمام السكان وإعادة مؤسسات الدولة للعمل فيها، لكن التنفيذ يبقى مرتبطًا بقدرة بغداد على تغيير الترتيبات الأمنية القائمة منذ سنوات.
اختبار لعلاقة الدولة بالفصائل
تحمل خطة جرف الصخر دلالة أوسع من كونها عملية أمنية محلية؛ فهي تأتي في لحظة تحاول فيها الحكومة العراقية إعادة رسم العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة.
فإذا نجحت بغداد في فرض وجود أمني وإداري تدريجي داخل المنطقة من دون مواجهة واسعة، فقد يشكل ذلك نموذجًا لمسار أوسع لاستعادة سيطرة الدولة على مناطق نفوذ الفصائل.
أما إذا اصطدمت الخطة برفض مسلح أو سياسي، فقد تتحول جرف الصخر إلى نقطة اختبار خطيرة، خصوصًا أن أي مواجهة هناك يمكن أن تتجاوز حدود المنطقة وتؤثر في التوازنات الداخلية العراقية.
بين «التطويق» وعودة الدولة
حتى الآن، لا تشير المعلومات المنشورة إلى قرار نهائي بشن عملية عسكرية واسعة داخل جرف الصخر، بل إلى تحرك تدريجي يركز على تطويق المنطقة، وتشديد الرقابة، وإعادة انتشار القوات الحكومية، بالتوازي مع الضغط السياسي على الفصائل.
وبذلك تبدو المعركة المقبلة في جرف الصخر معركة على سلطة الدولة أكثر منها معركة عسكرية. فنجاح بغداد لن يقاس فقط بمن يسيطر على المداخل والمقرات، وإنما بقدرتها على إعادة السكان، وتشغيل مؤسسات الدولة، وفرض القانون، وإنهاء حالة الاستثناء التي استمرت في المنطقة منذ عام 2014.