< كيف تحولت "منظمة غير ربحية" إلى "آلة" تجني 13 مليار دولار؟
متن نيوز

كيف تحولت "منظمة غير ربحية" إلى "آلة" تجني 13 مليار دولار؟

متن نيوز

 

 

1.25 مليار دولار هي إجمالي الخسائر المالية التي سجّلتها "فيفا" خلال 3 أعوام متتالية قبل انطلاق مونديال 2026، بواقع 390 مليون دولار عام 2023، ثم 616 مليون دولار عام 2024، فـ248 مليون دولار عام 2025. رقم كافٍ لإصابة أي شركة عادية بالذعر، لكن "فيفا" ليست شركة عادية، وهذه الخسائر ليست أزمة، وإنما جزء مخطط له بدقة ضمن نموذج مالي يقود المنظمة نحو تحقيق نحو 13 مليار دولار إيرادات إجمالية خلال الدورة الرباعية الحالية (2023-2026)، وفائض صافٍ يتخطى المليار دولار بحلول نهاية العام.

 

"دفتر الحسابات" يكشف السر

في تقرير مطول تحت عنوان "The BookKeeper"، أوضحت صحيفة "ذا أثلتيك" كيف تحوّلت "فيفا" من كيان واجه فعليًا خطر الإفلاس قبل 11 عامًا إثر "فضائح فساد مالي واسعة"، إلى إمبراطورية تمتلك فائضًا نقديًا هائلًا بفضل نموذج "دورة السنوات الأربع".

 

والفكرة الجوهرية بسيطة: العقود الكبرى لحقوق البث والرعاية تُسجَّل محاسبيًا في سنة المونديال نفسها، بينما تتوزع تكاليف الإعداد للبطولة وتمويل برامج تطوير اللعبة حول العالم على السنوات الثلاث التي تسبقها. فما يبدو خسارة سنوية متكررة هو في الحقيقة استثمار مؤجل العائد، يُحصد دفعة واحدة في العام الرابع.

 

وأكدت صحيفة "ذا غارديان" هذا النمط في تقرير تفاعلي شامل يوضح كيف قفزت إيرادات "فيفا" من 1.2 مليار دولار في 2023، إلى 500 مليون دولار فقط في 2024، ثم إلى نحو 8.9 مليار دولار في عام 2026 وحده، أي أن سنة المونديال بمفردها تحقق أكثر من سبعة أضعاف إيرادات السنة التي تسبقها مباشرة.

 

كومة نقدية بمليارات الدولارات

هذا النموذج لا ينجح دون وسادة مالية تمتص صدمة سنوات الخسارة، وهنا يكمن سر استقرار "فيفا". فوفقًا لمنشور نشره الباحث آشهد كمال على "لينكد إن"، نقلًا عن تقرير "ذا أثلتيك"، تحتفظ فيفا بنحو 1.2 مليار دولار سيولة نقدية جاهزة داخل خزائنها، إضافة إلى نحو 6 مليارات دولار أخرى مستثمرة، وهو ما تصفه الصحف الأجنبية بمصطلح "Cash Pile" أو "كومة النقد الكثيفة". وتشير أرقام أخرى منشورة إلى أن احتياطيات "فيفا" بلغت ذروتها عند نحو 3.97 مليار دولار نهاية عام 2022، ثم ارتفعت إلى نحو 4.76 مليار دولار نهاية 2024، فيما استقرت الاحتياطيات الاستراتيجية عند نحو 2.7 مليار دولار نهاية عام 2025.

 

والمفارقة القانونية الأكبر في كل هذا أن "فيفا"، رغم هذه الأرقام الفلكية، مسجّلة رسميًا في سويسرا كمنظمة غير ربحية لا يحق لها توزيع أرباح على مساهمين، لأنه لا مساهمين لها من الأساس. لذا تصفها الصحافة الاقتصادية بعبارة "Non-Profit Powerhouse"، أي "قوة خارقة غير ربحية"، في إشارة إلى منظمة تسجل مبيعات بمليارات الدولارات لكنها تعيد قانونيًا توجيه فائضها نحو تطوير اللعبة عالميًا بدل توزيعه كأرباح.

من أين يأتي المبلغ الضخم فعليًا؟

وفقًا لتحليل نشرته مجلة "فوربس"، تتوزع الميزانية الإجمالية البالغة 13 مليار دولار على أربعة مصادر رئيسية غير متساوية الحجم. حقوق البث التلفزيوني تبقى الأكبر بنحو 4.2 إلى 4.3 مليار دولار، رغم تراجع نسبتها من نحو 45% من إجمالي الإيرادات في الدورات السابقة إلى نحو الثلث فقط حاليًا بسبب نمو مصادر أخرى بوتيرة أسرع. أما التذاكر والضيافة، فقفزت إلى نحو 3 مليارات دولار، مقارنة بـ950 مليون دولار فقط في مونديال قطر 2022، بفضل زيادة عدد المباريات إلى 104 مباراة وتحول فلسفة التسعير نحو باقات "التجربة الشاملة" الفاخرة. وتضيف الرعاية التجارية نحو 2.8 إلى 2.9 مليار دولار، بزيادة تناهز 55% مقارنة بالدورة السابقة.

 

ورصدت مدونة "ذا سويس رامبل" المتخصصة في اقتصاديات الرياضة هذا التحول الهيكلي بدقة، موضحة أن اعتماد "فيفا" على مصدر دخل واحد كان في السابق شبه مطلق، إذ شكّلت حقوق مونديال "قطر 2022" وحدها نحو 83% من إجمالي إيرادات الدورة السابقة بالكامل، بينما يتجه النموذج الحالي نحو توازن أكبر بين مصادر الدخل المختلفة.

 

 

هل يدفع المشجع ثمن هذا النجاح؟

 

لكن هذا النمو الهائل في التذاكر والضيافة لم يأتِ بلا كلفة اجتماعية، إذ أدخلت "فيفا" للمرة الأولى في تاريخها نظام "التسعير الديناميكي" الذي يرفع سعر التذكرة تلقائيًا كلما زاد الطلب، ما دفع أسعار إعادة بيع تذاكر النهائي في السوق الثانوية إلى ما يقارب مليوني دولار في بعض العروض، وأثار فتح تحقيق رسمي من إحدى الولايات الأميركية. كما تحتفظ فيفا بنسبة 30% من قيمة كل عملية إعادة بيع تتم عبر منصتها الرسمية، وفق ما ذكرته مجلة "فوربس"، ما يجعلها مستفيدة مباشرة من ارتفاع أسعار السوق الموازية لا مجرد مراقب لها.

 

وانتقد مدرب مانشستر سيتي بيب غوارديولا، ونجم منتخب أميركا تيم ويا، هذا التوجه صراحة، محذّرين من أن الأسعار المرتفعة تحرم أحيانًا المشجعين الحقيقيين من حضور المباريات لصالح جمهور أكثر قدرة ماليًا فقط، حسب ما نقلته مجلة "سبورتس إلستريتد".