القضية الجنوبية: مشروع وطني متكامل لا يقبل المساومة أو التأجيل
على امتداد المشهد السياسي والعسكري في الجنوب، تتزايد المؤشرات التي تعكس حجم التحديات المتصاعدة التي تواجه القضية الجنوبية، في ظل تحركات متسارعة تسعى لإعادة إنتاج أدوات الهيمنة القديمة بصيغ جديدة ومحاولات مستمرة للالتفاف على تطلعات الشعب.
غير أن هذه التحركات تصطدم اليوم بواقع مختلف تمامًا عمّا كان عليه الحال قبل عقود، حيث أصبح الجنوب يمتلك قيادة سياسية وعسكرية متماسكة، مدعومة بحاضنة شعبية واسعة ومؤسسات وطنية أثبتت حضورها وقدرتها على إدارة الأرض بفاعلية.

القضية الجنوبية كأولوية وطنية غير قابلة للمساومة
لم تعد قضية الجنوب مجرد ملف سياسي عابر قابل للمساومة أو التأجيل، بل تحولت إلى مشروع وطني متكامل يستند إلى تضحيات آلاف الشهداء والجرحى الذين قدموا أرواحهم فداءً لهذا الوطن على مدار سنوات النضال الطويلة.
تستمد هذه القضية قوتها من إرادة شعبية متجذرة في النفوس، ترى بوضوح أن استعادة الدولة الجنوبية تمثل الخيار الوحيد والضروري لإنهاء عقود من الإقصاء الممنهج، والهيمنة القسرية، وعمليات نهب الثروات التي استنزفت موارد الجنوب لسنوات.
محاولات استهداف المؤسسات والقيادات الجنوبية
تشير التطورات الأخيرة بشكل لافت إلى تصاعد محاولات استهداف القيادات الجنوبية العسكرية والأمنية والإدارية، عبر إصدار سلسلة من القرارات والإجراءات التي يعتبرها المراقبون امتدادًا مباشرًا لسياسات قديمة هدفت دائمًا إلى إضعاف الحضور الجنوبي داخل مفاصل الدولة.
يرى المتابعون للشأن السياسي أن هذه الإجراءات لا يمكن فصلها أبدًا عن مساعٍ أوسع وأخطر تهدف لإعادة ترتيب المشهد بما يخدم قوى سياسية اعتادت إدارة البلاد بعقلية "المركز" القائمة على الاستعلاء، وهي العقلية ذاتها التي قادت إلى حروب مدمرة.
إرث 1994 والرهان الفاشل على سياسات الماضي
تلك العقلية التي فرضت سيطرتها في حرب صيف 1994، هي التي أنتجت إقصاءً واسعًا للكفاءات الجنوبية العريقة، وعملت على الاستيلاء على المؤسسات العامة والثروات الوطنية، متجاهلةً تمامًا حقوق المواطنين وتطلعاتهم في إدارة شؤونهم الخاصة.
يؤكد الشارع الجنوبي اليوم في مختلف محافظاته أن تكرار تلك السياسات العتيقة لن يغير من الواقع الحالي شيئًا، خاصة بعد أن أصبحت القضية الجنوبية أكثر حضورًا وتأثيرًا على المستويات السياسية والشعبية، وأكثر رسوخًا في الوعي الجمعي الإقليمي.
صمود المشروع الوطني الجنوبي أمام الضغوط
أصبح الالتفاف الشعبي حول المشروع الوطني الجنوبي أكثر قوة وصلابة، مما يجعل أي محاولة لإعادة فرض الوصاية أو الالتفاف على إرادة الجنوبيين عملية بالغة الصعوبة، إن لم تكن مستحيلة في ظل التماسك الميداني والسياسي القائم.
إن المؤسسات التي تم بناؤها في الجنوب خلال الفترة الماضية ليست مجرد هياكل إدارية، بل هي تجسيد حقيقي لإرادة شعب قرر استعادة قراره الوطني بيده، ورفض الخضوع لأي أجندات خارجية أو محلية تسعى لفرض أجندة لا تمثل تطلعاته.
تدرك القيادة الجنوبية اليوم طبيعة المعركة السياسية الدائرة، وتتحرك بوعي كبير لتعزيز الجبهة الداخلية، واضعة مصلحة الشعب واستعادة الدولة في مقدمة الأولويات، مما يقطع الطريق على أي محاولات لزعزعة الاستقرار أو إضعاف القوة الجنوبية الصاعدة.
بينما تحاول قوى المركز اللعب بأوراق قديمة لم تعد تجدي نفعًا، يواصل الجنوبيون بناء نموذجهم الخاص، متمسكين بحقهم المشروع في السيادة على أرضهم وثرواتهم، معتبرين أن أي تراجع عن هذا الطريق هو خيانة لتلك الدماء التي روت تراب الجنوب.
سيظل الصمود هو العنوان العريض للمرحلة المقبلة، حيث يثبت الجنوبيون يومًا بعد يوم أن إرادة الشعوب هي القوة الوحيدة القادرة على تغيير المعادلات، وأن كل محاولات الإقصاء لن تزيدهم إلا إصرارًا على المضي قدمًا في طريق استعادة الدولة كاملة السيادة.
إن المشهد في الجنوب يتطور باتجاه أكثر وضوحًا، حيث لا مجال بعد اليوم لسياسات التهميش، ولا يمكن لأي قوة كانت أن تقف أمام تطلعات ملايين الناس الذين عانوا من الظلم وقرروا أخيرًا رسم مسار مستقبلهم بأيديهم وبكامل إرادتهم الحرة.