بين القانون والقوة.. الصين تُحكم "شبكة العنكبوت" البحرية شرق تايوان
في خطوة تصعيدية تُعيد رسم خطوط المواجهة في غرب المحيط الهادئ، أطلقت الصين واحدة من أبرز عملياتها البحرية تحت غطاء "إنفاذ القانون" في المياه الاستراتيجية الممتدة شرق تايوان. التحرك الصيني الذي وُصف في تايبيه بـ "حرب المعرفة" ومحاولة فرض الأمر الواقع، يُمثل حلقة جديدة من استراتيجية بكين لقضم النفوذ البحري عبر المزاوجة بين ثقل ترسانتها العسكرية والأدوات القانونية والإدارية.
1. الشرارة: اتفاق اليابان والفلبين يُغضب بكين
لم يكن التوقيت الصيني وليد الصدفة؛ إذ جاءت العملية البحرية الخاصة كـ "رد فعل عنيف" مباشر على إعلان طوكيو ومانيلا بدء محادثات رسمية لترسيم حدود "المناطق الاقتصادية الخالصة" (EEZ) بينهما في غرب المحيط الهادئ.
بكين، التي ترى أن هذه المياه متصلة بـ "جزيرة تايوان الصينية"، اعتبرت الخطوة اليابانية-الفلبينية تعديًا على صلاحياتها السيادية، مما دفعها لإرسال أسطول بحري ضخم يضم أكبر سفن الدوريات التابعة لوزارة النقل وخفر السواحل لفرض ولايتها القضائية محليًا.
2. استراتيجية "القانون الإداري" كغطاء للقوة
خلافًا للمناورات العسكرية التقليدية بالذخيرة الحية، ركزت بكين في هذه العملية على ما يُعرف بـ "رمادي المنطقة" (Grey-zone tactics)، مستخدمةً واجهة "مدنية وإدارية" لتثبيت سيادتها:
تفتيش السفن التجارية: أعلنت وسائل الإعلام الرسمية الصينية أن الأسطول قام باعتراض وفحص نحو 198 سفينة مارّة في المنطقة، ورصد "مخالفات" لدى ثلاث منها.
المسح الهيدروغرافي وكابلات الإنترنت: شملت العملية إجراء مسوحات لقاع البحر وتفقد الممرات التي تمر عبرها كابلات الاتصالات البحرية الحيوية.
استجواب الطواقم: تلقت تايبيه بلاغات من سفن تجارية تفيد بأن السفن الصينية طالبتها ببيانات تفصيلية عن وجهاتها وخطوط سيرها، معلنةً أن المنطقة تقع تحت "الولاية القانونية لجمهورية الصين الشعبية".
وصف تايواني للمشهد: وزير الدفاع التايواني، ويلينغتون كو، شبّه التحرك الصيني بـ "إلقاء شبكة عنكبوت ضخمة" بهدف تحويل المياه المفتوحة شرق الجزيرة إلى منطقة نفوذ صينية مغلقة بمرور الوقت وتطبيع هذا الوجود.
3. الرد التايواني والدولي: رفض مبدأ "السيادة المفروضة"
من جانبها، رفضت وزارة الخارجية التايوانية وخفر السواحل في تايبيه هذه العمليات جملة وتفصيلًا، وأكدت أنها "خرق للقانون الدولي" وأنه لا يوجد لبكين أي سلطة قانونية شرق الجزيرة.
ميدانيًا، دفع خفر السواحل التايواني بسفنه لطرد القطع الصينية ومراقبتها عن كثب، مؤكدًا التزامه بحرية الملاحة. غير أن القلق يمتد إلى ما وراء تايوان؛ فالولايات المتحدة وحلفاؤها يراقبون بقلق هذا التوسع الصيني شرقًا، خاصة وأن تايوان بدأت مؤخرًا تعميق حوارها الاستراتيجي مع حلف الناتو (عبر نافذة "حوار ريغا الاستراتيجي") لمواجهة حرب الاتصالات والمعلومات الصينية.
4. الميزان العسكري: حصار غير معلن
بينما يتحرك خفر السواحل الصيني في العمق الإداري والقانوني، يقف خلفه أسطول عسكري ثقيل كأداة ردع لا تقبل التأويل. وتتزامن هذه الدوريات مع تحركات شبه يومية للطائرات الحربية الصينية، بالإضافة إلى مراقبة تايوان لمهمة ممتدة تقوم بها حاملة الطائرات الصينية "لياونينغ" (Liaoning) في المياه الواقعة شرق الفلبين.
تثبت أحداث شرق تايوان أن المعركة الحالية ليست عسكرية بحتة بالدبابات والصواريخ، بل هي معركة قانونية وإدارية بامتياز تسبق الصدام المسلح. تحاول الصين عبر "قوة القانون الإداري" أن تفرض سيادتها كأمر واقع (De facto) أمام المجتمع الدولي، واضعةً جيرانها والولايات المتحدة أمام خيار صعب: إما القبول بالقواعد الصينية الجديدة للملاحة، أو المخاطرة بصدام عسكري مباشر في واحدة من أكثر الممرات المائية حيوية للاقتصاد العالمي.