"الانهيار البطيء".. كيف يواجه الاقتصاد الإيراني منعطف الحصار وجولات الصراع؟
يواجه الاقتصاد الإيراني في الآونة الأخيرة ما يصفه محللون ماليون بـ "الانهيار الهيكلي البطيء والممنهج". ولم تعد الأزمة وليدة عقود من العقوبات التقليدية المتراكمة فحسب، بل تحولت بفعل جولات الصراع المسلح الأخيرة والضربات العسكرية المباشرة للبنية التحتية، متبوعة بحصار بحري أمريكي خانق، إلى نزيف حرج وضع الموارد الحيوية للبلاد أمام أصعب اختباراتها التاريخية.
وتتزامن هذه الضغوط الاقتصادية الحادة مع دخول المفاوضات الأمريكية الإيرانية مراحلها النهائية عبر الوسيط الباكستاني، وسط رغبة واضحة من واشنطن في استخدام ورقة "الإنهاك الاقتصادي" لانتزاع تنازلات جذرية بشأن الملف النووي وتفكيك برامج التخصيب.
محاور الخنق الاقتصادي: النفط وشرايين الطاقة
تمثلت الضربة الأقسى للاقتصاد الإيراني في نجاح حملة الضغط البحري الأمريكية في تتبع وشل حركة "أسطول الشبح"، الذي كان يمثل شريان الحياة المالي لطهران لالتفافه على العقوبات وتصدير الخام لآسيا. وبفعل الحصار المفروض حول مضيق هرمز والموانئ الحيوية، تغيرت الخارطة التشغيلية على النحو التالي:
انحسار الصادرات وتراكم التخزين: أدت الملاحقات الصارمة إلى انخفاض تدفقات النفط الإيراني إلى السوق الصينية (المستهلك الرئيسي لنحو 90% من النفط الإيراني) لتصل إلى أدنى مستوياتها منذ فترة طويلة، مسجلة قرابة 1.10 مليون برميل يوميًا، مما تسبب في أزمة سعة تخزينية عائمة هددت بإغلاق قسري لبعض الآبار.
سياسة الخصومات الحادة: للاحتفاظ بحصتها السوقية وتحفيز المصافي الصينية المستقلة (تيبوت) التي تعاني بدورها من انكماش في هوامش الربح، اضطر الموردون الإيرانيون لتقديم تنازلات سعرية حادة؛ حيث تحول خام "إيران لايت" من التداول بعلاوة سعرية إلى البيع بخصم يتجاوز دولارًا واحدًا للبرميل مقارنة بعقود خام برنت القياسي.
الفاتورة الاجتماعية والضغط الموجه نحو طاولة "السلام"
على الصعيد الإنساني والاجتماعي، تشير التقديرات الاقتصادية المستقلة إلى أن تداعيات جولة الصراع الحالية والجمود التجاري أدت إلى انزلاق ما يتراوح بين 3.5 إلى 4.5 مليون شخص إضافي تحت خط الفقر المدقع، مدفوعًا أيضًا بشلل قطاع الخدمات الرقمية والأعمال الصغيرة جراء القيود الأمنية المفروضة على شبكة الإنترنت لدواعي عسكرية.
الربط السياسي للاقتصادي: يرى خبراء العلاقات الدولية أن هذه المؤشرات الضاغطة هي التي تفسر التصريحات الأخيرة الصادرة عن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بأنه "رغم عدم التراجع أمام التهديدات فإن باب التفاوض يظل مفتوحًا"، بالموازاة مع تأكيدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن المفاوضات تتقدم بسرعة وأن "الحصار البحري الخانق سيبقى بكامل قوته وفعاليته حتى التوصل إلى اتفاق نهائي" يضمن دمج الاقتصاد الإيراني مجددًا في السوق العالمية مقابل تفكيك كامل للقدرات التخصيبية.