واشنطن تتجه لإلغاء نشر صواريخ "توماهوك" في ألمانيا.. هواجس التصعيد مع روسيا وأزمة المخزونات السلاحية
شهدت العلاقات الأمنية بين الولايات المتحدة وألمانيا تحولًا استراتيجيًا لافتًا، بعد كشف تقارير استخباراتية وإعلامية عن توجه إدارة الرئيس دونالد ترامب لإلغاء الخطة المقررة لنشر صواريخ كروز بعيدة المدى من طراز "توماهوك" (Tomahawk) وأسلحة فرط صوتية في الأراضي الألمانية.
يأتي هذا التراجع ليعيد صياغة معادلة الردع في قلب القارة الأوروبية، مدفوعًا بضغوط الميدان والمخاوف من رد فعل روسي عنيف.
إليك تقرير مفصل يوضح خلفيات وأبعاد هذا القرار:
1. خلفية الخطة الملغاة (اتفاق 2024)
يعود أصل القضية إلى صيف عام 2024، حينما اتفقت إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن والمستشار الألماني السابق أولاف شولتس على إعادة نشر صواريخ تقليدية بعيدة المدى في ألمانيا (قادرة على ضرب أهداف تتجاوز 1،600 كيلومتر).
الهدف الأصلي: كان الهدف هو سد "فجوة الردع" في أوروبا الغربية ومواجهة منظومات صواريخ "إسكندر" الروسية المتمركزة في جيب كالينينجراد المطل على البلطيق، والتي يمكنها ضرب العواصم الأوروبية خلال دقائق.
2. الأسباب والدوافع وراء قرار الإلغاء
حسب ما نقلته وسائل إعلام دولية (أبرزها صحيفة Politico) عن مسؤولين أمريكيين وأوروبيين، فإن التراجع الأمريكي يقف وراءه مزيج من المخاوف الاستراتيجية والأزمات السياسية:
الخشية من الرد الانتقامي الروسي: يخشى المسؤولون في البنتاغون والبيت الأبيض من أن المضي قدمًا في نشر هذه الصواريخ الدقيقة في وسط أوروبا سيفسره الكرملين على أنه "استفزاز مباشر ومهدد لوجوده"، مما قد يدفع موسكو لاتخاذ إجراءات انتقامية غير مسبوقة تزيد من احتمالات صدام عسكري مباشر بين الناتو وروسيا.
استنزاف المخزون الأمريكي (حرب إيران): برز سبب لوجستي وعسكري بالغ الأهمية؛ حيث تعاني مخازن السلاح الأمريكية من تراجع حاد في أعداد صواريخ "توماهوك" والأسلحة الدقيقة جراء استهلاكها الكثيف والواسع في العمليات العسكرية المستمرة بـ الحرب مع إيران.
الخلاف السياسي بين ترامب وميرتز: تفاقمت الأزمة عقب مشادة علنية وخلاف دبلوماسي حاد بين الرئيس دونالد ترامب والمستشار الألماني فريدريش ميرتز، بعد انتقاد الأخير للاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط. وردّ ترامب على ذلك بقرار سحب 5،000 جندي أمريكي من ألمانيا وإلغاء نشر كتيبة الأسلحة بعيدة المدى التي كان من المفترض وصولها لاحقًا هذا العام.
3. المواقف وردود الفعل الإقليمية
ألمانيا والناتو: أحدث القرار صدمة في الأوساط الدفاعية في برلين؛ حيث باتت ألمانيا تواجه فجوة أمنية مكشوفة في مواجهة القدرات الصاروخية الروسية. وتدفع برلين حاليًا نحو البحث عن بدائل محلية عبر تسريع برامج تطوير صواريخ كروز أوروبية مشتركة بالتعاون مع فرنسا وبريطانيا.
بولندا ودول البلطيق: وصف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك مؤشرات التراجع الأمريكي وسحب القوات بـ "المسار الكارثي" الذي يهدد تماسك حلف شمال الأطلسي، محذرًا من أن الانقسام الداخلي هو الخطر الأكبر على المجتمع عبر الأطلسي.
الأبعاد المستقبلية
يمثل التراجع الأمريكي عن نشر صواريخ "توماهوك" في ألمانيا تحولًا تكتيكيًا كبيرًا يُضعف المظلة الأمنية الأمريكية التقليدية في أوروبا، ويعكس رغبة إدارة ترامب الحالية في تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة مع روسيا في الجبهة الأوروبية، بالتوازي مع تركيز ثقلها العسكري اللوجستي في جبهات أخرى كالشرق الأوسط وآسيا.