< حلفاء الأمس أعداء اليوم.. الجذور والملفات الشائكة وراء تفجر "الحرب المفتوحة" بين باكستان وأفغانستان
متن نيوز

حلفاء الأمس أعداء اليوم.. الجذور والملفات الشائكة وراء تفجر "الحرب المفتوحة" بين باكستان وأفغانستان

متن نيوز

تحولت العلاقات بين باكستان ونظام حركة طالبان في أفغانستان من "التحالف الاستراتيجي" التاريخي إلى مواجهة عسكرية شاملة وأقرب إلى "الحرب المفتوحة". وجاء إعلان باكستان رسميًا عن إطلاق عملية عسكرية واسعة أطلقت عليها اسم "غضب للحق" (Ghazab lil-Haq) ليمثل نقطة تحول خطيرة، بعد أن شنت غارات جوية مكثفة استهدفت العاصمة كابول وقندهار وعدة ولايات حدودية، ردت عليها طالبان بقصف صاروخي مكثف للمواقع العسكرية الباكستانية.

 

هذا الانفجار العسكري العنيف لم يكن وليد اللحظة، بل هو نتاج تراكم ملفات أمنية وسياسية وحدودية معقدة فشلت كل الوساطات الدولية (القطرية والتركية والسعودية) في احتوائها. وتتلخص أبرز أسباب استمرار القتال في أربعة محاور رئيسية:

 

1. معضلة "طالبان باكستان" (TTP) — السبب المباشر

 

تُعد حركة "تحريك طالبان باكستان" الجرح الأنزف في خاصرة الأمن الباكستاني والشرارة اللحظية للحرب:

 

    الملاذ الآمن: تتهم إسلام آباد نظام طالبان أفغانستان بتقديم الدعم اللوجستي والملاذات الآمنة لمقاتلي الحركة الباكستانية داخل الأراضي الأفغانية، وهو ما ترفضه طهران وكابول علنًا لكنهما تعجزان عن إنكاره عمليًا نظرًا للروابط الأيديولوجية والقبلية الوثيقة بين الطرفين.

 

    تصاعد العمليات: منذ عودة طالبان للسلطة في كابول عام 2021، قفزت العمليات الانتحارية داخل باكستان بمعدلات قياسية، كان آخرها هجمات دامية في العاصمة إسلام آباد ومناطق بانو وباجور، مما جعل الجيش الباكستاني يعلن انتهاء "سياسة ضبط النفس" ويبدأ بضرب العمق الأفغاني لتصفية قادة الحركة (مثل محاولة اغتيال زعيم الحركة نور ولي محسود في كابول).

 

2. عقدة "خط ديورند" الحدودية — الصراع التاريخي

 

يمتد الصراع إلى جذور جغرافية وتاريخية تعود لعام 1893:

 

    الحدود غير المعترف بها: ترفض أفغانستان (سواء في عهد الحكومات السابقة أو في عهد طالبان الحالي) الاعتراف بـ "خط ديورند" (الذي يبلغ طوله 2600 كم) كحدود دولية رسمية، وتعتبره إرثًا استعماريًا بريطانيًا قسّم القبائل البشتونية.

 

    الجدار العازل والمنطقة العازلة: شرعت باكستان في بناء سياج حدودي مغلظ لمنع التسلل، وهو ما ترفضه طالبان وتقوم باستهدافه وتفكيكه ميدانيًا. ومؤخرًا، يسعى الجيش الباكستاني عبر عملياته العسكرية إلى فرض "مناطق عازلة محرمة" (No-go zones) داخل العمق الأفغاني لمنع التسلل تمامًا، وهو ما تراه كابول احتلالًا وقضمًا لأراضيها.

 

3. الصدام الأيديولوجي وصراع الشرعية

 

رغم الخلفية الإسلامية المشتركة، دخل الطرفان في حرب كسر عظم سياسية:

 

    نزع الشرعية الدينية: في إطار التعبئة العسكرية لعملية "غضب للحق"، باتت الآلة الإعلامية والدينية في باكستان تصوّر نظام طالبان أفغانستان على أنه "سلطة غير شرعية تشوه الدين" وتدعم الإرهاب بالوكالة، لشرعنة العمليات العسكرية أمام الرأي العام الباكستاني.

 

    صراع النفوذ: تشعر باكستان بخيبة أمل كبرى؛ فبعد عقود من دعمها لطالبان بهدف تحقيق "العمق الاستراتيجي" في مواجهة الهند، تحول النظام الجديد في كابول إلى مصدر التهديد الأول لأمنها القومي.

 

4. أوراق الضغط الاقتصادي والملف الإنساني

 

تستخدم باكستان ثقلها الاقتصادي والجغرافي لتركيع حكومة كابول، مما يعمق الأحقاد ويدفع نحو خيار المواجهة:

 

    الترحيل الجماعي والحصار التجاري: قامت باكستان بترحيل مئات الآلاف من اللاجئين الأفغان بشكل قسري، بالتوازي مع الإغلاق المتكرر للمعابر التجارية الحيوية (مثل معبر تورخام)، مما خانق الاقتصاد الأفغاني المتهالك.

 

تتواصل حرب باكستان وأفغانستان رغم الجهود الإقليمية والدولية لاحتواء التصعيد، بينما تتحول الحدود المشتركة إلى ساحة نزاع مفتوح يهدد استقرار جنوب آسيا، ومع تزايد الضربات الجوية وإغلاق المعابر الحدودية، تبدو الأزمة مرشحة لمزيد من التعقيد في ظل غياب أي مؤشرات حقيقية على التهدئة.

 

وتجد باكستان، التي تحاول لعب دور الوسيط في أزمات دولية مثل التوتر الأمريكي الإيراني، نفسها غارقة في صراع متفاقم مع أفغانستان، فيما تحاول الصين التدخل عبر استضافة محادثات بين الطرفين، لكن جهود الوساطة لم تحقق اختراقًا حقيقيًا حتى الآن.

حدود مشتعلة دائمًا

 

أوضحت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، الخميس 28 مايو 2026، أن إسلام آباد منذ أن أعلنت “حربًا مفتوحة” على أفغانستان في فبراير الماضي، تشهد المناطق الحدودية اشتباكات متكررة وغارات جوية شبه أسبوعية، وأسفرت الضربات الباكستانية عن مقتل مئات المدنيين خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، فيما لا يبدي أي من الطرفين استعدادًا للتراجع.

 

وقال عبدالمتين قاني، المتحدث باسم وزارة الداخلية الأفغانية: “كنا مثل قوة مغناطيسية مع باكستان، أما الآن فنحن نتنافر، وهذا الوضع لن يتحسن”. في المقابل، أكد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف خلال زيارة للقوات الباكستانية أن العمليات العسكرية ضد أفغانستان مستمرة “بعزم تام”، مطالبًا طالبان باتخاذ خطوات حاسمة ضد الجماعات المسلحة.

 

اتهامات متبادلة خطيرة

 

تتهم باكستان جماعات مسلحة تتمركز داخل أفغانستان بتنفيذ آلاف الهجمات خلال السنوات الأخيرة، وعلى رأسها حركة “طالبان باكستان”، ورغم اعتراف مسؤولين في طالبان بوجود روابط فكرية مع الحركة، فإنهم ينفون قدرتهم على السيطرة على قياداتها أو تقديم دعم مباشر لها، معتبرين أن الأزمة “شأن داخلي باكستاني”.

 

وترى أميرة جادون، أستاذة العلوم السياسية بجامعة كليمسون وخبيرة أمن جنوب آسيا، أن الولايات المتحدة منحت باكستان مساحة واسعة للتحرك العسكري. وقالت: “واشنطن خفضت أولوية الملف الأفغاني، وتدعم باكستان فيما تريد القيام به داخل أفغانستان”، مضيفة أن إسلام آباد “تستغل هذا الوضع لصالحها”.

كارثة إنسانية متفاقمة

 

أكدت بعثة الأمم المتحدة في أفغانستان مقتل 372 مدنيًا وإصابة نحو 400 آخرين منذ اندلاع المواجهات الأخيرة، وكان الهجوم الأكثر دموية في مارس الماضي، عندما استهدفت غارات باكستانية مركزًا لعلاج الإدمان في كابول، ما أدى إلى مقتل 269 شخصًا وإصابة 172 آخرين، وفق بيانات الأمم المتحدة.

 

كما أدى إغلاق الحدود إلى أزمة اقتصادية خانقة داخل أفغانستان، التي تعتمد على باكستان في الواردات الغذائية والطبية ومواد البناء. وقال الصيدلي الأفغاني برفيز خيري: “نحن نعتمد بشكل كبير على الأدوية المستوردة، وأفغانستان كانت دائمًا ضحية للنزاعات الحدودية”، فيما تسعى حكومة طالبان حاليًا إلى زيادة الإنتاج المحلي وطلب مساعدات من روسيا والهند لتعويض النقص الحاد في الأدوية.

وساطة صينية

 

استضافت مدينة أورومتشي الصينية محادثات استمرت 8 أيام بين الجانبين الشهر الماضي، لكن الاجتماعات انتهت وسط حالة عميقة من انعدام الثقة، حسب مسؤولين أفغان وباكستانيين تحدثوا للصحيفة، وأكد مسؤول أمني باكستاني أن الصين حاولت استغلال علاقاتها الوثيقة مع الطرفين لإعادتهما إلى طاولة الحوار.

 

ولكن استمرار الهجمات المسلحة دفع باكستان إلى تعليق المفاوضات رغم الضغوط الصينية، فيما يقول المسؤولون الباكستانيون إن طالبان ترفض تقديم تعهدات مكتوبة لكبح الجماعات المسلحة، بينما ترى كابول أن إسلام آباد تسعى في النهاية لإضعاف حكومة طالبان وإسقاطها، ما يجعل فرص التهدئة أكثر تعقيدًا.