< تحالف الـ "E6" المالي.. خطوة أوروبية تاريخية لدمج الأسواق تواجه شبح "أوروبا بسرعتين"
متن نيوز

تحالف الـ "E6" المالي.. خطوة أوروبية تاريخية لدمج الأسواق تواجه شبح "أوروبا بسرعتين"

متن نيوز

 

في خطوة تاريخية قد تُعيد رسم خريطة النفوذ المالي العالمي وتُنهي عقودًا من التشتت الاقتصادي، اتفقت أكبر 6 اقتصادات في الاتحاد الأوروبي (فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، هولندا، إسبانيا، وبولندا) على رؤية مشتركة موحدة لتأسيس ما يُعرف بـ "اتحاد الادخار والاستثمار".

 

المشروع الطموح، الذي صِيغ كواليسه في قمة مصغرة عُقدت في برلين، يهدف إلى إنشاء سوق مالية أوروبية عملاقة ومدمجة، قادرة على كسر الهيمنة المطلقة لبورصة "وول ستريت" الأمريكية وحي المال في لندن.

ما هو تحالف الـ "E6"؟

 

يمثل هذا التحالف المالي الجديد الدول الست الأكبر اقتصاديًا في التكتل، والتي تشكل معًا 70% من إجمالي سكان الاتحاد الأوروبي. وجاء هذا التحرك الاستثنائي بعد أسابيع من التحضير السري بعيدًا عن البيروقراطية والوتيرة التشريعية البطيئة في بروكسل، مدفوعًا بضغوط اقتصادية متزايدة ومنافسة شرسة من الولايات المتحدة والصين.

مرتكزات الخطة الأوروبية الجديدة

 

تعتمد الاستراتيجية المشتركة لوزراء مالية الدول الست على ثلاث ركائز عملياتية وقانونية:

 

    تعبئة التريليونات الراكدة: يسعى المشروع إلى تسييل وتحويل تريليونات اليوروهات من مدخرات المواطنين الأوروبيين المتجمدة حاليًا في الحسابات البنكية التقليدية، وتوجيهها مباشرة نحو الاستثمارات الإنتاجية، ودعم الشركات الناشئة والمشاريع الكبرى داخل القارة.

 

    الرقابة المركزية الموحدة (هيئة ESMA): وافقت الدول الست على نقل صلاحيات الإشراف المالي تدريجيًا من الهيئات الوطنية المحلية إلى هيئة الأوراق المالية والأسواق الأوروبية (ESMA) ومقرها باريس، لتصبح بمثابة "شرطي مالي موحد" يدير البورصات الكبرى وغرف المقاصة.

 

 

    تسوية ملف "العملات المشفرة": في تسوية تنظيمية هامة، اتفقت الدول على خضوع شركات الأصول الرقمية والعملات المشفرة الكبرى للرقابة الأوروبية المركزية مباشرة، مع ترك الشركات الصغيرة تحت إشراف محلي.

 

دافع التحرك: المقارنة مع النموذج الأمريكي

 

لطالما عانت أوروبا من "التجزئة التنظيمية"، حيث تخضع كل دولة لقوانين استثمارية ورقابية مختلفة، مما يُصعّب على صندوق تقاعد ألماني -على سبيل المثال- الاستثمار بسلاسة في شركة فرنسية ناشئة.

 

 

سعى أكبر 6 اقتصادات في الاتحاد الأوروبي إلى إعادة رسم خريطة المال والاستثمار في القارة، عبر مشروع طموح يهدف إلى إنشاء سوق مالية أوروبية موحدة قادرة على منافسة بورصة "وول ستريت" الأمريكية وحي المال في لندن، في خطوة تعكس رغبة أوروبية متزايدة في تقليل الاعتماد على التمويل الخارجي وتعزيز القدرة الاقتصادية للقارة.

 

ووفقًا لما نقلته صحيفة "بوليتيكو"، اتفقت كل من فرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وإسبانيا وبولندا على رؤية مشتركة لإنشاء سوق مالية أكثر تكاملًا على غرار النموذج الأمريكي، بما يسمح بتوجيه تريليونات اليوروهات من المدخرات الأوروبية نحو الاستثمار والإنتاج داخل الاتحاد.

 

ويأتي هذا التوجه في وقت تواجه فيه الحكومات الأوروبية ضغوطًا مالية متصاعدة نتيجة الأزمات الاقتصادية والحروب وارتفاع تكاليف الدفاع والطاقة، ما دفع صناع القرار الأوروبيين إلى البحث عن مصادر تمويل جديدة تعتمد بشكل أكبر على رؤوس الأموال الخاصة والمدخرات المحلية.

 

ويرتكز المشروع الجديد على إنشاء ما يسمى بـ "اتحاد الادخار والاستثمار"، وهو إطار اقتصادي يهدف إلى تسهيل انتقال الأموال والاستثمارات بين الدول الأوروبية، وتوحيد القواعد المالية والرقابية، بما يمنح الشركات والمستثمرين بيئة أقرب إلى السوق الأمريكية الموحدة.

ما هي "وول ستريت"؟

 

وتُعد "وول ستريت" أشهر منطقة مالية في العالم، وتقع في مدينة نيويورك الأمريكية، وتضم بورصة نيويورك وكبرى المؤسسات المالية والاستثمارية العالمية، وعلى مدى عقود، تحولت "وول ستريت" إلى رمز للقوة الاقتصادية الأمريكية، حيث تتمتع الولايات المتحدة بسوق مالية موحدة تسمح بحرية انتقال رؤوس الأموال والاستثمارات بين الولايات دون تعقيدات تنظيمية كبيرة، ما ساهم في جعلها أكبر مركز مالي عالمي.

 

وفي المقابل، لا تزال الأسواق المالية الأوروبية تعاني من التشتت، إذ تخضع كل دولة داخل الاتحاد الأوروبي تقريبًا لأنظمة رقابية وقوانين استثمارية مختلفة، ما يحدّ من قدرة القارة على جذب الاستثمارات الضخمة أو منافسة الأسواق الأمريكية.

تعزيز دور الهيئة الأوروبية

 

ويتضمن المشروع الأوروبي أيضًا تعزيز دور هيئة الأوراق المالية والأسواق الأوروبية، وتحويلها تدريجيًا إلى جهة رقابية مركزية أقوى على مستوى الاتحاد الأوروبي، بما يشبه الدور الذي تؤديه الهيئات الأمريكية المنظمة للأسواق المالية.

 

لكن هذه النقطة تحديدًا لا تزال تثير خلافات داخلية بين الدول الست نفسها، خاصة فيما يتعلق بسرعة نقل الصلاحيات من الجهات الوطنية إلى الهيئة الأوروبية، ووفق التسوية الحالية، سيتم نقل بعض الصلاحيات بشكل تدريجي خلال فترة انتقالية "قصيرة قدر الإمكان"، دون تحديد جدول زمني نهائي حتى الآن.

 

وكانت كل من إيطاليا وهولندا قد اقترحتا سابقًا فترة انتقالية قد تصل إلى 8 سنوات، قبل أن تخفف لاهاي من موقفها لاحقًا وتدعو إلى تسريع العملية.

خلافات حول العملات المشفرة

 

ومن أبرز الملفات الخلافية أيضًا، مسألة توسيع صلاحيات الهيئة الأوروبية لتشمل الإشراف على شركات العملات المشفرة، التي تخضع حاليًا لرقابة وطنية داخل كل دولة، وفي حل وسط، اتفقت الدول الست على أن تخضع شركات العملات المشفرة الكبرى لإشراف الهيئة الأوروبية مباشرة، بينما تبقى الشركات الأصغر تحت إشراف السلطات المحلية.

 

ورغم التوافق بين الاقتصادات الست الكبرى، فإن المشروع يواجه تحديًا سياسيًا معقدًا يتمثل في إقناع بقية الدول الأعضاء داخل الاتحاد الأوروبي بدعمه، وتحتاج الدول الست إلى تأييد 9 دول إضافية على الأقل لتمرير الإصلاحات داخل مجلس الاتحاد الأوروبي، وفق نظام التصويت الذي يشترط دعم 15 دولة تمثل ما لا يقل عن 65% من سكان الاتحاد.

 

 

كما أثارت الخطوة مخاوف من ظهور ما يُعرف بـ "أوروبا بسرعتين"، أي أن تتقدم بعض الدول الكبرى في التكامل الاقتصادي والمالي، بينما تبقى دول أخرى على الهامش.

 

وفي هذا السياق، قال وزير المالية القبرصي ماكيس كيرافنوس إن إنشاء هيكل منفصل داخل الاتحاد الأوروبي  "قد يتعارض مع القناعة السائدة حاليًا بضرورة إنهاء التجزئة داخل أوروبا".

11 تريليون يورو في الحسابات البنكية

 

ويعوّل صناع القرار الأوروبيون على المدخرات الضخمة الموجودة داخل القارة لدعم الاقتصاد الأوروبي، إذ تشير التقديرات إلى أن مواطني الاتحاد الأوروبي يحتفظون بنحو 11 تريليون يورو نقدًا داخل حساباتهم المصرفية.