توافد ضيوف الرحمن إلى جبل عرفات لأداء ركن الحج الأكبر في 2026
"لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك".. بهذه الكلمات الطاهرة التي تخرج من قلوب مفعمة بالإيمان، يقف حجاج بيت الله الحرام الذين جاءوا من كل فج عميق على صعيد جبل عرفات الطاهر.
يؤدي الحجيج اليوم الركن الأعظم من رحلة العمر، طامعين في رحمة الله عز وجل أن يجعل حجهم مبرورًا، وذنبهم مغفورًا، وسعيهم مشكورًا، وأن يتجاوز عنهم ما تقدم من ذنوبهم في هذا اليوم المبارك.
مشهد إيماني مهيب وتوافد ضيوف الرحمن
يحتشد ضيوف الرحمن على صعيد عرفات منذ الصباح الباكر، وذلك عقب انتهائهم من قضاء يوم التروية في مشعر منى، اقتداءً بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وتلبيةً لنداء خليل الله إبراهيم عليه السلام.
لقد أتى الحجاج من كل بقاع الأرض، تاركين خلفهم المال والأهل والولد، طامعين في مغفرة الله ورضوانه، وقد بشرهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم بأن من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
روحانية عرفات: التوحد في رحاب الله
تسيطر على أجواء عرفات مشاعر إيمانية وروحانية ليس لها مثيل في أي مكان آخر، حيث يقف جميع حجاج بيت الله جنبًا إلى جنب، العربي بجانب الأعجمي، والفقير بجانب الغني، والأسود بجانب الأبيض، والرئيس بجانب المرؤوس.
الجميع في هذا اليوم العظيم سواسية أمام خالقهم، مشغولون فقط بذكر الله تعالى والتضرع إليه ليغفر لهم زلاتهم، وينالوا نصيبهم من الفضل العظيم الذي خصصه الله لهذا اليوم الذي تباهي فيه ملائكة السماء بعباده.
يوم عرفة: تجلي الرحمة وبشرى المغفرة
يعد يوم عرفة من أعظم أيام الله، فهو اليوم الذي تغفر فيه الزلات، وتجاب فيه الدعوات، ويباهي الله بعباده أهل السماوات كما ورد في الحديث القدسي عن نزول المولى تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا في ذلك اليوم.
يقول الله لملائكته في هذا اليوم العظيم: "انظروا إلى عبادي أتوني شعثًا غُبرًا من كل فج عميق، أشهدكم أني قد غفرت لهم"، مما يبعث في نفوس الحجاج طمأنينة لا توصف بأنهم في رحاب عفو الله وكرمه الواسع.
النفرة إلى المزدلفة وبداية مناسك أيام التشريق
سيبدأ حجاج بيت الله الحرام مع مغيب شمس هذا اليوم في النفرة إلى مشعر المزدلفة، حيث يؤدون فيها صلاتي المغرب والعشاء جمع تأخير، ويقضون ليلتهم في رحابها اقتداءً بسنة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
يبدأ الحجيج في جمع الحصى لرمي الجمرات خلال أيام التشريق، ثم يتوجهون إلى منى لرمي جمرة العقبة الكبرى بعد زوال شمس أول أيام التشريق، إيذانًا ببدء سلسلة من المناسك التي تملأ أيامهم القادمة بالذكر والعبادة.
طوبى لمن وقف بعرفة ورجاه الله بالقبول
هنيئًا لمن وقف بعرفات، ورزقه الله الوقوف بجوار قلوب محترقة شوقًا إلى المولى، ودموعًا مستبقة طلبًا للغفران، فهناك يتجلى أرحم الرحماء على عباده، فيعتق من النار من شاء ويمنح السائلين نهاية رجائهم.
فكم في هذا الصعيد من خائف أزعجه الخوف وأقلقه، ومحب ألهبه الشوق وأحرقه، وراجٍ أحسن الظن بوعد المولى وصدقه، فطوبى لمن وقف بعرفة، وخرج منها بقلب نقي وعزم على عودة العبد إلى ربه في أبهى صور الإنابة والتوبة.
يُعد جبل عرفات أو "جبل الرحمة" القلب النابض لموسم الحج، وهو الموضع الذي ألقى فيه النبي محمد صلى الله عليه وسلم خطبة الوداع، واضعًا أسس ومبادئ الإسلام السمح التي لا تزال تنير دروب البشرية.
إن الوقوف بعرفات ليس مجرد ركن من أركان الحج، بل هو تجسيد حي لمفهوم التوبة والرجوع إلى الله، حيث يتخلى المسلم عن كل ما يربطه بمغريات الحياة الدنيا، ليرتدي ملابس الإحرام التي تساوي بين الجميع في المظهر والجوهر، متجردًا من كل فخر أو خيلاء. إن هذا الاجتماع العالمي الضخم الذي يتكرر سنويًا، يحمل في طياته رسالة سلام ومحبة وتآخٍ بين الشعوب،
حيث يتبادل الحجاج مشاعر الود والاحترام رغم اختلاف لغاتهم وأعراقهم. وتعمل السلطات السعودية سنويًا على تطوير البنية التحتية لهذا المشعر، من خلال تحسين طرق المشاة، وتوفير الخدمات اللوجستية، وتوسيع مساحات الخيام لضمان تدفق الحجاج بكل يسر وسهولة، مما يضمن أداء المناسك في بيئة آمنة وصحية تليق بعظمة هذا اليوم المبارك، وتعين الحجيج على التفرغ التام للعبادة والذكر والدعاء في مشهد مهيب يرسخ في ذاكرة كل حاج لسنوات طويلة.