اقتداءً بسنة النبي ﷺ: لماذا يبيت الحجاج في منى يوم التروية؟
أوضحت وزارة الأوقاف أن يوم التروية يوافق اليوم الثامن من شهر ذي الحجة، وهو اليوم الذي يمثل نقطة الانطلاق الرسمية لرحلة الحج العظيمة، حيث يتوجه جموع الحجاج من مكة المكرمة إلى مشعر منى استعدادًا للوقوف على صعيد عرفات الطاهر.
يأتي اختيار هذا اليوم في توقيت حيوي ضمن العشر الأوائل من ذي الحجة، وهي الأيام التي أقسم الله بها في كتابه العزيز لفضلها العظيم ومكانتها السامية في قلوب المسلمين، حيث يسعى الجميع لاغتنام كل لحظة فيها بالأعمال الصالحة والعبادات التي تقرب العبد من ربه.
دلالات التسمية وأصولها التاريخية في الإسلام
يرجع سبب تسمية يوم التروية بهذا الاسم إلى أن الحجاج في العصور القديمة كانوا يتزودون فيه بالماء من مكة ويحملونه معهم استعدادًا للتوجه إلى المشاعر المقدسة والمبيت في منى، حيث كان الماء شحيحًا في تلك المناطق في ذلك الوقت.
بينما يرى بعض العلماء والفقهاء أن التسمية تعود إلى أن إبراهيم عليه السلام قد رأى في المنام ليلة الثامن من ذي الحجة أنه يذبح ابنه إسماعيل، فأصبح يتروى في أمره هل هذا من الله أم من الشيطان، فلما رأى ذلك في الليلة التالية وتأكد من الرؤية سمي يوم التروية.
مناسك الحاج في اليوم الثامن من ذي الحجة
يبدأ الحاج يوم التروية بالإحرام بالحج إن كان متمتعًا، حيث يعقد النية ويبدأ في التلبية "لبيك اللهم حجًا"، ثم يتوجه بعد ذلك إلى مشعر منى ليقضي فيها بقية يومه وليلتة، مقتديًا في ذلك بسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
يصلي الحجاج في مشعر منى الصلوات الخمس قصرًا دون جمع، حيث يؤدون صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر في أوقاتها، ويبيتون في منى ليلتهم تلك في أجواء إيمانية مفعمة بالسكينة والخشوع، استعدادًا للتحرك فجر اليوم التالي نحو عرفات.
فضل يوم التروية وأعمال غير الحجاج
يعد يوم التروية بداية فعلية للانتقال إلى المشاعر العظيمة، وهو يمثل تهيئة روحية ونفسية كبرى لليوم الأهم في الحج وهو يوم عرفة، حيث تتهيأ النفوس وتتطهر القلوب استعدادًا لمغفرة الذنوب ورفع الدرجات في رحاب هذا اليوم الفضيل.
بالنسبة لغير الحاج، فإن يوم التروية يمثل فرصة ثمينة للإكثار من الطاعات وأعمال الخير، ويستحب فيه الإكثار من الذكر والدعاء وقراءة القرآن والتوبة الصادقة، والاجتهاد في كافة أنواع الأعمال الصالحة خلال هذه الأيام المباركة من عشر ذي الحجة.
حكم صيام يوم التروية لغير الحجاج
أكدت الأبحاث الفقهية المستندة إلى تعاليم وزارة الأوقاف أن صيام يوم التروية يعد من الأعمال المستحبة لغير الحاج، نظرًا لكونه جزءًا لا يتجزأ من أيام العشر من ذي الحجة التي أثنى عليها النبي صلى الله عليه وسلم، ويُرجى فيه عظيم الأجر والمثوبة من الله تعالى.
يساهم صيام هذا اليوم في إشاعة جو من الروحانية والارتباط بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وبين الحجاج في بيت الله الحرام، حيث يتوحد المسلمون في العبادة والرجاء، طامعين في الفوز بليلة القدر ومغفرة ما قبلها وما بعدها من ذنوب وأخطاء.
ختامًا، ينبغي على المسلم أن يستغل يوم التروية أحسن استغلال، سواء كان حاجًا يتبع هدي النبي في مناسكه، أو غير حاج يصوم ويتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة، ليكون هذا اليوم المبارك مفتاحًا لكل خير وفلاح في الدنيا والآخرة، وليستعد الجميع لاستقبال يوم عرفة بالدعاء الصادق والقلب الخاشع.