باكستان تتحرك عبر بكين.. مبادرة خماسية لخفض التوتر بين واشنطن وطهران
تسعى باكستان إلى استثمار علاقتها الاستراتيجية المتينة مع الصين لفتح نافذة دبلوماسية جديدة بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية واستمرار هشاشة التفاهمات الأمنية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني وأمن الملاحة في الخليج.
وتحمل الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف إلى بكين، بين 23 و26 مايو/أيار، أبعادًا تتجاوز التعاون الاقتصادي والسياسي التقليدي بين البلدين، إذ تراهن إسلام آباد على تحويل الدعم الصيني لجهود الوساطة إلى إطار عملي أكثر وضوحًا، يقوم على مبادرة من خمسة بنود تهدف إلى تخفيف التصعيد وتهيئة الأرضية لمفاوضات أوسع.
مبادرة خماسية لتفادي الانفجار الإقليمي
حسب ما أعلنته الخارجية الباكستانية، فإن المبادرة المقترحة تركز على خمسة محاور أساسية، تبدأ بوقف التصعيد العسكري والسياسي بين واشنطن وطهران، وتمر بضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، وصولًا إلى آليات تحقق متبادلة بشأن الالتزامات النووية والأمنية.
وتعكس هذه البنود إدراكًا متزايدًا لدى إسلام آباد وبكين بأن أي تفاهم مع إيران لا يمكن عزله عن معادلة أمن الخليج، خصوصًا أن المنطقة تمثل شريانًا حيويًا للطاقة والتجارة العالمية.
كما تسعى المبادرة إلى توفير أرضية تسمح بعودة تدريجية للمفاوضات، بعيدًا عن منطق الضغوط القصوى أو المواجهات العسكرية المفتوحة، التي تهدد بإشعال المنطقة بأكملها.
بكين.. وسيط يوسع حضوره الدبلوماسي
التحرك الباكستاني يأتي في وقت تعمل فيه الصين على تعزيز حضورها السياسي في الشرق الأوسط، بعد نجاحها سابقًا في رعاية التقارب بين السعودية وإيران، وهو ما منحها صورة الطرف القادر على التحدث مع جميع القوى المتنافسة في المنطقة.
وترى بكين أن الاستقرار في الخليج يرتبط مباشرة بمصالحها الاقتصادية، خصوصًا مع اعتمادها الكبير على واردات الطاقة القادمة من المنطقة، إضافة إلى ارتباط أمن الممرات البحرية بمشروعاتها التجارية الكبرى ضمن مبادرة “الحزام والطريق”.
ومن هنا، تبدو الصين مهتمة بدعم أي مسار يخفف احتمالات الصدام بين واشنطن وطهران، دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة أو تبني مواقف تصعيدية.
باكستان ومحاولة لعب دور التوازن
بالنسبة لباكستان، فإن الوساطة بين إيران والولايات المتحدة تمنحها فرصة لتعزيز مكانتها الإقليمية، خاصة أنها تحتفظ بعلاقات معقدة ومتوازنة مع أطراف متعددة في المنطقة.
فإسلام آباد ترتبط بعلاقات استراتيجية مع الصين، وتحافظ في الوقت ذاته على تعاون أمني واقتصادي مع دول الخليج، بينما تجمعها حدود طويلة وحساسة مع إيران.
هذا الموقع الجغرافي والسياسي يجعل أي تصعيد بين واشنطن وطهران مصدر قلق مباشر لباكستان، سواء من ناحية الأمن الحدودي أو تداعيات اضطراب أسواق الطاقة والتجارة الإقليمية.
كما تخشى القيادة الباكستانية من أن يؤدي انفجار الوضع في الخليج إلى موجات جديدة من عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي في المنطقة، وهو ما يدفعها إلى تشجيع الحلول الدبلوماسية.
مضيق هرمز.. جوهر الأزمة
يبقى مضيق هرمز محورًا أساسيًا في أي تفاهم محتمل، باعتباره أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز في العالم.
وخلال السنوات الماضية، شكلت التهديدات المتبادلة بشأن حرية الملاحة في المضيق عنصر ضغط دائم بين إيران والولايات المتحدة، خصوصًا مع تعرض ناقلات نفط لهجمات واحتجاز سفن في فترات التوتر.
وتدرك الصين وباكستان أن أي تعطيل لحركة الملاحة في المضيق سيؤدي إلى تداعيات اقتصادية عالمية واسعة، لذلك تحاول المبادرة المطروحة إدراج ضمانات واضحة تتعلق بحرية العبور والأمن البحري.
عقدة اليورانيوم والعقوبات
رغم الحديث عن التهدئة، لا تزال الخلافات الجوهرية بين واشنطن وطهران قائمة، وفي مقدمتها ملف تخصيب اليورانيوم الإيراني.
فالولايات المتحدة تطالب بضمانات صارمة تحد من قدرة إيران على تطوير برنامجها النووي، بينما تصر طهران على حقها في التخصيب ورفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.
كما أن مسألة التحقق من الالتزامات تبقى إحدى أكثر النقاط حساسية، إذ يسعى الغرب إلى آليات رقابة دقيقة، في حين ترفض إيران أي ترتيبات تعتبرها مساسًا بسيادتها.
وفي هذا السياق، قد تحاول الصين وباكستان تقديم صيغة وسطية تقوم على خطوات متبادلة ومتدرجة، تسمح بخفض التوتر دون فرض تنازلات أحادية سريعة.
واشنطن بين الحذر والانفتاح
حتى الآن، لا توجد مؤشرات واضحة على قبول أمريكي كامل بالمبادرة الباكستانية–الصينية، لكن الإدارة الأمريكية تدرك في المقابل أن استمرار التصعيد مع إيران يحمل مخاطر كبيرة، خاصة في ظل التحديات الدولية الأخرى التي تواجهها واشنطن.
كما أن أي اضطراب جديد في الخليج قد ينعكس على أسعار الطاقة العالمية والاقتصاد الدولي، وهو ما يدفع بعض الدوائر الغربية إلى عدم استبعاد المسارات الدبلوماسية البديلة.
ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة تبقى حذرة من منح الصين دورًا سياسيًا متزايدًا في ملفات الشرق الأوسط الحساسة، خوفًا من تحول بكين إلى منافس دبلوماسي مباشر في المنطقة.
اختبار دبلوماسي معقد
تمثل زيارة شهباز شريف إلى بكين اختبارًا مهمًا لقدرة باكستان والصين على الانتقال من مرحلة الدعم السياسي العام إلى بلورة مبادرة عملية قابلة للتفاوض.
ورغم صعوبة تحقيق اختراق سريع في ظل تعقيدات الملف الإيراني، فإن التحرك الجديد يعكس إدراكًا متزايدًا لدى القوى الإقليمية والآسيوية بأن استقرار الخليج لم يعد قضية محلية، بل عنصرًا أساسيًا في توازن الاقتصاد والسياسة العالميين.
وفي حال نجحت بكين وإسلام آباد في فتح قناة حوار مستدامة بين واشنطن وطهران، فقد يشكل ذلك تحولًا مهمًا في طبيعة الأدوار الدبلوماسية داخل الشرق الأوسط، ويمنح الصين حضورًا سياسيًا أوسع في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.