قمة بكين.."براغماتية" ترامب تصطدم بـ "أسوار" شي.. هل تنجح صفقات المليارات في احتواء نذر الحرب؟
وصل الرئيس دونالد ترامب إلى بكين محاطًا بكتيبة من "تيتانز" المال والأعمال الأمريكيين، في زيارة وُصفت بأنها "عالية المخاطر". فبينما يطمح ترامب لتحقيق انتصار اقتصادي "خارق" يفتح الأسواق الصينية، تسعى بكين لتحقيق استقرار تكتيكي يحمي اقتصادها المترنح من تداعيات أزمة الطاقة العالمية وتكاليف النفط المرتفعة بسبب الصراع مع إيران.
أولًا: أجندة ترامب.. "افتحوا الأبواب لسحر الشركات الأمريكية"
أعلن ترامب صراحة أن طلبه الأول من الرئيس "شي" هو "الانفتاح الكامل والشامل". وتتلخص تطلعات واشنطن في:
تفكيك الحواجز التنظيمية: السماح لشركات مثل "تسلا"، "أبل"، و"بلاك روك" بالعمل في الصين دون قيود الملكية المشتركة أو ضغوط نقل التكنولوجيا.
صفقات المليارات: يُتوقع الإعلان عن طلبيات ضخمة لطائرات بوينغ، وشراء كميات قياسية من الصويا والذرة الأمريكية لتمديد "هدنة بوسان" التجارية.
مجالس الاستثمار: التوافق على إنشاء "مجالس تجارة واستثمار" مشتركة لحل النزاعات التجارية بعيدًا عن حروب التعريفات الجمركية التي أنهكت الطرفين.
ثانيًا: الملفات الساخنة.. ظلال طهران وتايوان
رغم الطابع الاقتصادي الغالب، لا يمكن لهذه القمة الهروب من الأزمات الجيوسياسية:
المعضلة الإيرانية: تضغط واشنطن على بكين لاستخدام نفوذها كأكبر مشترٍ للنفط الإيراني للضغط على طهران لضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز، خاصة بعد تقارير استعادة إيران لـ 90% من قدراتها الصاروخية.
أزمة تايوان: تسعى الصين لانتزاع التزامات أمريكية بتقليص مبيعات الأسلحة للجزيرة، وهو ملف يلوح به ترامب كـ "ورقة مساومة" للحصول على تنازلات تجارية.
المناورة الدبلوماسية: قبول بكين دخول "ماركو روبيو" (المصنف إرهابيًا لديها سابقًا) بعد التلاعب بصياغة اسمه، يعكس رغبة صينية أكيدة في عدم إفساد القمة وتقديم "غصن زيتون" بروتوكولي لترامب.
ثالثًا: ماذا ينتظر العالم؟ (السيناريوهات المتوقعة)
يرى المحللون أن القمة لن تؤدي إلى "إعادة ضبط" (Reset) كاملة للعلاقات، بل إلى "استقرار تكتيكي":
السيناريو الأرجح: تمديد هدنة التعريفات الجمركية الحالية، والإعلان عن صفقات شراء زراعية وصناعية ضخمة تمنح ترامب "صورة النجاح" التي يحبها أمام جمهوره.
مكاسب الصين: الحصول على وعود أمريكية بتخفيف القيود على الرقائق الإلكترونية المتقدمة (اللازمة للذكاء الاصطناعي) مقابل ضمانات صينية بفتح قطاعات مالية محددة.
الملف الأمني: قد تصدر بكين بيانًا عامًا يدعو لاستقرار الملاحة الدولية (في إشارة لمضيق هرمز) دون الانحياز الكامل للموقف الأمريكي ضد إيران.
تأتي هذه المحادثات التي تأجلت منذ مارس بسبب حرب إيران لتناقش ملفات شائكة تشمل التجارة والتكنولوجيا، وسط آمال بتمديد حالة التهدئة التي خففت الرسوم الجمركية بين أكبر اقتصادين في العالم وفق بلومبرج.
طهران تحت مجهر المفاوضات الأمريكية
تمثل حرب إيران محورًا جديدًا للتوتر، حيث يواجه ترامب ضغوطًا لإنهاء الصراع الذي تسبب في أزمة طاقة عالمية، ومن المتوقع أن يضغط على “شي” لتقليص مشتريات الصين من النفط الإيراني.
وكانت واشنطن قد فرضت عقوبات على شركات صينية بتهمة تزويد طهران بصور أقمار اصطناعية، في حين ألمح ترامب لضبط سفينة تحمل “هدية” عسكرية صينية لإيران، وهو ما نفته بكين بشدة واصفة العقوبات بأنها أحادية وغير قانونية وفق رويترز.
صفقات مليارية.. “بوينغ” والزراعة على الطاولة
من المرجح أن تسفر القمة عن صفقات تجارية ضخمة وتعهدات شراء صينية تشمل طلبية تاريخية لطائرات بوينغ، بالإضافة إلى تفاهمات في قطاعات الزراعة والطاقة لتقليص العجز التجاري.
ويسعى المفاوضون لتفعيل مجلسي التجارة والاستثمار لتنظيم صادرات الحبوب ولحوم الأبقار، خاصة بعد أن تسببت الحرب التجارية في ارتباك سوق المزارعين الأمريكيين قبل انتعاش الواردات عقب هدنة أكتوبر الماضية.
قمة ترسم ملامح المستقبل
اقتصاديًا، قد تكون الحرب التجارية المستمرة مع الولايات المتحدة، والصراع في إيران، خبرين سيئين بالنسبة إلى شي، لكنهما، أيديولوجيًا وسياسيًا، يمثلان هدية له، وسيشعر بأنه يملك أوراق قوة. وقد تضع هذه الزيارة الأساس لتعاون مستقبلي، أو لصراع، خلال السنوات المقبلة وفق بي بي سي.
تحاول الصين التدخل بهدوء بوصفها صانعة سلام، مع دخول الحرب في إيران شهرها الثالث. فقد انضمت بكين إلى باكستان وسيطًا في الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران. وفي مارس، قدّم مسؤولون في بكين وإسلام آباد خطةً من خمس نقاط بهدف التوصل إلى وقف لإطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز. ومن خلف الكواليس، كان مسؤولون صينيون يدفعون نظراءهم الإيرانيين، برفق، نحو طاولة المفاوضات.
سباق التكنولوجيا وأزمة الرقائق يتصدران المشهد
تخوض واشنطن وبكين سباقًا محمومًا للهيمنة على الذكاء الاصطناعي، حيث يعتزم ترامب إثارة مخاوف تتعلق بـ “التقطير العدائي” للأنظمة الأمريكية ومحاولة فتح قناة تواصل دائمة لمناقشة التكنولوجيا الناشئة.
وفي المقابل، تشتكي الصين من ضوابط التصدير التي تحرمها من أحدث رقائق “إنفيديا”، رغم الموافقة السابقة على تصدير شريحة “إتش 200” الأقل كفاءة مقابل رسوم حكومية أمريكية بنسبة 25%.
حساسية تايوان وتوازن القوى
تبقى تايوان القضية الأكثر حساسية، حيث ترفض واشنطن تغيير سياستها تجاه الجزيرة رغم مطالبة بكين بإعلان رسمي يعارض استقلالها، وسط مخاوف تايوانية من تحولها لورقة مقايضة.
وسُئل ترامب قبيل القمة عن إمكانية مناقشة صفقة أسلحة لتايبيه بقيمة 14 مليار دولار، فأكد أنه سيجري هذا النقاش رغم اعتراضات الرئيس “شي”، مما يعكس استمرار التباين العميق في الملفات الأمنية بين البلدين.
سلاح العناصر الأرضية النادرة في حرب التوريد
أصبحت المعادن الحيوية ساحة مواجهة اقتصادية، حيث يسعى المسؤولون الأمريكيون لضمان وصول أفضل للعناصر الأرضية النادرة التي تفرض الصين قيودًا واسعة على تصديرها لأهميتها في قطاع الدفاع.
ورغم جهود واشنطن لتنويع المصادر، تشير التقديرات إلى حاجتها لسنوات لتقليص هيمنة الصين، في حين تمضي بكين في تطبيق تصاريح مرنة لكنها بطيئة الوتيرة، مما يبقي سلاسل التوريد العالمية تحت رحمة القرارات السياسية.
وتظل قمة بكين 2026 اختبارًا حقيقيًا لقدرة "فن الصفقة" على مواجهة "استراتيجية الصمود" الصينية. العالم يراقب ما إذا كانت حقائب "إيلون ماسك" و"ستيفن شوارزمان" المالية ستنجح في ردم الفجوة الأمنية التي خلفتها الصواريخ في الشرق الأوسط والتوترات في بحر الصين الجنوبي.