واشنطن بين "فخ الاستنزاف" في إيران و"طموحات الانفتاح" في بكين
تعيش الإدارة الأمريكية الحالية مفارقة كبرى؛ فبينما كان الرئيس دونالد ترامب يهبط في بكين حاملًا أجندة اقتصادية طموحة لفتح الأسواق الصينية، كانت تقارير استخباراتية مسربة من داخل أروقة البيت الأبيض ترسم صورة قاتمة للواقع العسكري في الشرق الأوسط، مؤكدة أن إيران نجحت في ترميم "عمودها الفقري" الصاروخي رغم الضربات الجوية المكثفة.
أولًا: الاختراق الإيراني.. العودة إلى حافة التهديد
كشفت وثائق استخباراتية سرية نشرتها صحيفة "نيويورك تايمز" ووكالات أنباء عالمية، أن التقييمات العسكرية لعملية "Epic Fury" كانت متفائلة أكثر من اللازم. وأبرز ما جاء في التقرير:
استعادة المنشآت: تمكنت طهران من استعادة الوصول التشغيلي إلى 90% من منشآت تخزين وإطلاق الصواريخ المحصنة تحت الأرض (مدن الصواريخ).
خطر المضيق: عادت 30 منشأة صاروخية من أصل 33 تقع على مضيق هرمز للخدمة، مما يضع القوات البحرية الأمريكية في حالة استنفار قصوى.
الترسانة والمنصات: لا تزال إيران تحتفظ بـ 70% من مخزونها الصاروخي ومن منصات الإطلاق المتنقلة، وهو ما يناقض تصريحات الرئيس ترامب السابقة بأن الجيش الإيراني "دُمّر بالكامل".
المعضلة الأمريكية: أشار التقرير إلى نقص حاد في الذخائر الذكية (مثل صواريخ توماهوك والباتريوت) لدى الولايات المتحدة، نتيجة الاستهلاك المفرط خلال المواجهات الأخيرة.
ثانيًا: قمة بكين.. طلب ترامب الأول
على الجانب الآخر من العالم، بدأ الرئيس ترامب زيارته التاريخية لبكين بطلب "غير تقليدي" وضعه كأولوية قصوى قبل مناقشة ملفات تايوان أو الحرب في إيران.
الطلب الأول: طالب ترامب الرئيس الصيني "شي جين بينغ" بـ "فتح الصين بالكامل" أمام الشركات الأمريكية، معتبرًا أن إزالة العوائق التنظيمية ستسمح لـ "العباقرة الأمريكيين" بالمساهمة في نهضة الاقتصاد الصيني والعالمي.
وفد العمالقة: يرافق ترامب وفد هو الأقوى اقتصاديًا، يضم إيلون ماسك، تيم كوك، وجنسن هوانغ، في محاولة لربط الاستقرار الجيوسياسي بصفقات تجارية ضخمة (خاصة في قطاعات الطيران والزراعة والتكنولوجيا).
ثالثًا: التحليل والآفاق المستقبلية
تُظهر هذه المعطيات أن واشنطن تحاول ممارسة سياسة "الهروب إلى الأمام" عبر الاقتصاد في الشرق الأقصى، بينما تواجه واقعًا عسكريًا معقدًا في الشرق الأوسط:
الفجوة الاستراتيجية: هناك تباين حاد بين "الخطاب السياسي" للإدارة الأمريكية و"الواقع الاستخباراتي" الميداني، مما قد يعرض القوات الأمريكية لمخاطر غير محسوبة.
الدور الصيني: قد تطلب واشنطن من بكين التدخل لتهدئة طهران (التي تعافت عسكريًا) مقابل تسهيلات تجارية، وهو ما يفسر اصطحاب وزير الدفاع "بيت هيغسيث" في هذه الرحلة الاقتصادية بامتياز.
توازن الردع: استعادة إيران لقدراتها الصاروخية تعني أن أي جولة تصعيد قادمة ستكون أكثر كلفة على الجانب الأمريكي وحلفائه، خاصة مع استنزاف مخزون السلاح النوعي.
وأفاد تقرير لصحيفة نيويورك تايمز، الأربعاء، استنادًا إلى تقييمات استخباراتية أمريكية سرية، بأن إيران لا تزال تحتفظ بقدرات صاروخية كبيرة، رغم التصريحات المتكررة من إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب التي أكدت أن القوة العسكرية الإيرانية تلاشت بعد الضربات الأخيرة.
وذكر التقرير أن التقييمات، التي أُعدت مطلع مايو، أظهرت أن طهران استعادت إمكانية التشغيل في معظم مواقعها الصاروخية، بما في ذلك 30 من أصل 33 موقعًا على طول مضيق هرمز، ما يشير إلى تعافٍ سريع في بنيتها الدفاعية.
تصاعد لتوترات
نقلت الصحيفة عن مصادر مطلعة أن إيران ما زالت تملك نحو 70% من مخزونها الصاروخي الذي كان قائمًا قبل الحرب، إضافة إلى قاذفات متنقلة، في حين أشارت التقييمات إلى أن نحو 90% من منشآت التخزين والإطلاق الصاروخي تحت الأرض أصبحت “قيد التشغيل جزئيًا أو بالكامل”.
من جهتها، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، أوليفيا ويلز، إن الحكومة الإيرانية تدرك أن واقعها الحالي غير قابل للاستمرار”، معتبرة أن من يعتقد أن إيران أعادت بناء جيشها إما واهم أو يردد دعاية الحرس الثوري الإيراني.
وتصاعدت التوترات في المنطقة منذ الضربات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير، والتي أعقبها رد إيراني استهدف إسرائيل وحلفاء واشنطن في الخليج، إلى جانب إغلاق مضيق هرمز.
اتفاق دائم
دخل وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين حيز التنفيذ في 8 أبريل بوساطة باكستان، غير أن المحادثات اللاحقة في إسلام آباد فشلت في التوصل إلى اتفاق دائم، قبل أن يعلن ترامب تمديد الهدنة إلى أجل غير مسمى، بينما تواصل باكستان جهودها لإحياء المسار التفاوضي المتعثر.
وفي أحدث تطور، رفض ترامب الرد الإيراني على المقترح الأمريكي لإنهاء الحرب بشكل دائم، واصفًا إياه بأنه غير مقبول إطلاقًا، ما يعزز احتمالات استمرار التوتر في المنطقة.