مسيرة عبد الرحمن أبو زهرة السينمائية.. من "أرض الخوف" إلى "تيتة رهيبة" وتاريخ حافل
يشيع جثمان الفنان القدير الراحل عبد الرحمن أبو زهرة اليوم الثلاثاء، بعد صلاة الظهر من مسجد الشرطة بمدينة الشيخ زايد، وسط حضور كبير من أسرته وزملائه في الوسط الفني ومحبيه.
رحل الفنان الكبير عن عالمنا مساء أمس الأثنين عن عمر يناهز 92 عامًا، وذلك بعد رحلة صعبة ومريرة مع المرض، مخلفًا وراءه إرثًا فنيًا عظيمًا يمتد لأكثر من ستة عقود من العطاء الصادق.
تخرج عبد الرحمن أبو زهرة من المعهد العالي للفنون المسرحية في عام 1958، ليبدأ مسيرته المهنية كموظف قبل أن يتم تعيينه رسميًا كممثل في المسرح القومي عام 1959، مفتتحًا مشواره بمسرحية "عودة الشباب".
عبقرية المسرح ووصول عدد أعماله إلى 100 مسرحية
انطلق عبد الرحمن أبو زهرة بقوة في عالم المسرح القومي، حيث استطاع أن يثبت جدارته كبطل أول بعدما تم الاستعانة به لبطولة مسرحية "بداية ونهاية" للكاتب نجيب محفوظ عقب اعتذار الفنان عمر الحريري.
أثبت أبو زهرة قدرة فائقة على تجسيد الشخصيات المركبة، وهو ما دفع المخرجين للاعتماد عليه في مسرحية "المحروسة" لتقديم البطولة عقب وفاة الفنان صلاح سرحان، لتتوالى نجاحاته المسرحية حتى بلغت 100 مسرحية.
لم يكن المسرح بالنسبة للراحل مجرد مهنة، بل كان محرابًا للفن قدم فيه أعمالًا خالدة للأديب توفيق الحكيم وغيره من كبار الكتاب، مما جعله واحدًا من أعمدة المسرح المصري والعربي في القرن العشرين والواحد والعشرين.
بصمات خالدة في السينما والدراما التلفزيونية
خاض الفنان الراحل رحلة سينمائية ثرية بدأها بأفلام كلاسيكية مثل "اعترافات امرأة" و"الاختيار" و"الشوارع الخلفية"، وصولًا إلى أفلام حديثة حققت نجاحًا جماهيريًا كبيرًا مثل "النوم في العسل" و"أرض الخوف" و"الجزيرة".
تميزت أدوار أبو زهرة في السينما بالتنوع الشديد، حيث قدم الكوميديا في "تيتة رهيبة" و"حب البنات"، بينما برع في الأدوار الدرامية المعقدة في أفلام "ديل السمكة" و"إنت عمري"، تاركًا بصمة لا تمحى في ذاكرة المشاهد.
وفي الدراما التلفزيونية، يظل دوره "إبراهيم سردينة" في مسلسل "لن أعيش في جلباب أبي" هو الأبرز والأكثر حضورًا على منصات التواصل الاجتماعي حتى اليوم، لما حمله الدور من معاني الحكمة والشهامة المصرية الأصيلة.
ملك الدبلجة والتجربة الاستثنائية مع عالم "ديزني"
تعد تجربة عبد الرحمن أبو زهرة مع شركة "ديزني" العالمية من أكثر التجارب تميزًا في مشواره، حيث قدم الأداء الصوتي لشخصية الأسد "سكار" في النسخة العربية من فيلم "الأسد الملك" ببراعة مذهلة.
اعتبر النقاد والجمهور أن أداء أبو زهرة لشخصية "سكار" كان الأفضل عالميًا، حيث تفوق بنبرة صوته العميقة وتعبيره الدرامي على الكثيرين، كما وضع بصمة أخرى لا تنسى في أداء شخصية "جعفر" في فيلم "علاء الدين".
هذا النجاح في عالم الرسوم المتحركة جعل صوته محفورًا في وجدان أجيال متعاقبة من الأطفال والشباب، الذين ارتبطوا بأدائه الصوتي الذي جمع بين الهيبة والشر الدرامي المغلف بجمال اللغة العربية الفصحى وأناقتها.
تاريخ حافل بالمسلسلات التاريخية والاجتماعية
أثرى أبو زهرة الشاشة الصغيرة بمئات الساعات الدرامية في مسلسلات مثل "عمر بن عبد العزيز" و"الزيني بركات" و"الملك فاروق"، حيث كان يمتلك قدرة فريدة على نطق اللغة العربية ومخارج الحروف التي تليق بالأدوار التاريخية.
شارك أيضًا في أعمال اجتماعية معاصرة مثل "أوان الورد" و"أميرة في عابدين" و"العميل 1001"، وكان دائمًا يختار أدواره بعناية فائقة تضمن له البقاء في منطقة التميز والريادة الفنية بعيدًا عن التكرار أو النمطية.
رحيل عبد الرحمن أبو زهرة يمثل خسارة كبيرة للفن العربي، لكن عزاء جمهوره يكمن في تلك المكتبة الضخمة من الأعمال التي ستظل تذكره كواحد من أكثر الفنانين إخلاصًا لفنه وجمهوره ووطنه طوال حياته المديدة.