تفاصيل تفشي سلالة فيروس هانتا القاتلة على متن سفينة سياحية
أثار تفشي فيروس هانتا الأخير على متن إحدى السفن السياحية الكبرى حالة من الذعر العالمي وتساؤلات مشروعة حول إمكانية عودة سيناريو الإغلاق الشامل الذي عاشه العالم في عصر كورونا، خاصة بعد تسجيل حالات وفاة وإصابات مؤكدة بين الركاب.
تسبب الفيروس في مقتل ثلاثة أشخاص على متن السفينة المنكوبة التي وصلت إلى جزر الكناري، مما دفع السلطات الصحية الدولية إلى الاستنفار لتتبع الركاب الذين قد يكونون تعرضوا للعدوى في دول عدة مثل الولايات المتحدة وجورجيا وأريزونا وتكساس.
وعلى الرغم من المخاوف المتصاعدة، أكد خبراء الأوبئة أن فيروس هانتا يمتلك خصائص بيولوجية تختلف جذريًا عن فيروس كوفيد-19، حيث يواجه عوائق طبيعية تمنع انتقاله السريع والفعال من إنسان إلى آخر على نطاق واسع حتى الآن.
طبيعة انتقال العدوى
أوضح البروفيسور فينسنت راكانييلو، أستاذ علم الأحياء الدقيقة بجامعة كولومبيا، أن مفتاح الجوائح العالمية يكمن في قدرة الفيروس على الانتقال خلال فترة الحضانة وقبل ظهور الأعراض، وهو ما تجيده فيروسات الإنفلونزا وكورونا ببراعة فائقة.
بالنسبة لفيروس هانتا، فإن الإصابات المسجلة على متن السفينة التي كانت تضم 150 راكبًا اقتصرت فقط على الأشخاص الذين كانوا على اتصال مباشر ووثيق جدًا مع المصابين الأوائل، مثل الزوجين اللذين لقيا حتفهما نتيجة تدهور حالتهما الصحية.
ينتقل الفيروس في الغالب عبر استنشاق ذرات الغبار الملوثة بفضلات أو بول القوارض المصابة، ولا يعتبر البشر مستودعًا طبيعيًا للفيروس، مما يقلل من فرص حدوث انفجار وبائي مفاجئ خارج الأماكن المغلقة التي تفتقر للتهوية السليمة.
موقف الصحة العالمية
طمأنت ماريا فان كيركوف، مديرة قسم التأهب للجوائح بمنظمة الصحة العالمية، الرأي العام مؤكدة أن خطر تحول فيروس هانتا إلى وباء عالمي لا يزال منخفضًا للغاية، مشيرة إلى أن معظم سكان العالم لن يتعرضوا لهذا الفيروس في حياتهم العادية.
وصفت المنظمة فيروس هانتا بأنه مرض معدٍ خطير وقاتل بنسبة تصل إلى 40% من الحالات المصابة، إلا أن سلالة "الأنديز" المكتشفة على السفينة عادة ما يقتصر انتشارها على المحيط الضيق للمريض ولفترات زمنية محدودة جدًا لا تتجاوز يومًا واحدًا.
ومن جانبه أكد عالم الفيروسات توماس كسيازيك أن فيروس الأنديز لو كان يمتلك القدرة على التحول إلى وباء عالمي لحدث ذلك منذ عقود، حيث أن الفيروس معروف لدى الأوساط العلمية وتتم مراقبته بدقة منذ ظهوره الأول في دول أمريكا اللاتينية.
إجراءات الإجلاء الدولية
اتخذت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة قرارات حازمة بإرسال طائرات خاصة لإجلاء مواطنيهما من السفينة الراسية في جزر الكناري، مع فرض بروتوكولات عزل صارمة تبدأ بنقل الركاب الأمريكيين إلى مركز طبي متخصص في ولاية نبراسكا لضمان سلامتهم.
خضع الركاب الإسبان لعملية حجر صحي شاملة في منشأة طبية مجهزة، حيث صدرت أوامر صارمة بترك كافة الأمتعة الشخصية على متن السفينة لمنع انتقال أي مسببات مرضية محتملة، ولم يسمح لهم سوى بأخذ حقيبة صغيرة تضم الوثائق والهواتف المحمولة.
أعلنت السلطات أن السفينة ستغادر جزر الكناري باتجاه هولندا وعلى متنها بعض أفراد الطاقم وجثة أحد المتوفين، حيث ستخضع هناك لعملية تطهير وتعقيم شاملة باستخدام مواد كيميائية متطورة للقضاء على أي أثر للفيروس أو القوارض الناقلة له.
تحديات المناخ والأوبئة
حذر باحثون من معهد الصحة العالمية بجامعة ديوك من أن احتمالية تفشي الأمراض المعدية قد تتضاعف ثلاث مرات خلال العقود القادمة، مع وجود احتمال بنسبة 2% سنويًا لحدوث جائحة مماثلة في حجمها وتأثيرها لما حدث خلال أزمة فيروس كورونا.
أشار البروفيسور يوناتان جراد من جامعة هارفارد إلى أن التغيرات المناخية والديموغرافية تساهم في تغيير المشهد الوبائي العالمي، حيث تؤدي هجرة القوارض والحيوانات بسبب ارتفاع درجات الحرارة إلى خلق مخاطر جديدة لظهور مسببات أمراض كانت كامنة.
تعد الحمى والدوار والآلام العضلية من أبرز أعراض الإصابة بفيروس هانتا، وتظهر عادة في غضون ثمانية أسابيع من التعرض للمصدر الملوث، مما يتطلب يقظة طبية عالية من المسافرين والسياح خاصة في المناطق التي تشهد نشاطًا كبيرًا للقوارض البرية.
على الرغم من أن فيروس الأنديز ليس هو الوباء القادم الذي يخشاه العالم، إلا أن الخبراء يصرون على ضرورة تعزيز نظم الإنذار المبكر والرقابة الصحية على السفن السياحية ووسائل النقل الدولية لمنع انتقال الأمراض النادرة عبر الحدود الجغرافية.
تعتمد الاستراتيجية الدولية الحالية على العزل السريع للحالات المشتبه بها وتوفير الرعاية المركزة للمصابين، حيث لا يوجد حتى الآن لقاح نوعي معتمد لفيروس هانتا، مما يجعل الوقاية والابتعاد عن فضلات القوارض هي خط الدفاع الأول والأساسي للبشر.
إن تجربة السفينة السياحية في عام 2026 تمثل درسًا هامًا في سرعة التنسيق بين الدول لمواجهة التهديدات البيولوجية، وتؤكد أن الوعي الصحي العالمي قد تطور بشكل كبير بعد الدروس القاسية التي تعلمتها البشرية من الجوائح السابقة في مطلع العقد الحالي.