< قصة الخلاف الذي تحول إلى درس قاسي في حياة ريهام سعيد المهنية
متن نيوز

قصة الخلاف الذي تحول إلى درس قاسي في حياة ريهام سعيد المهنية

ريهام سعيد
ريهام سعيد

تعيش الأوساط الفنية والإعلامية حالة من الصدمة عقب رحيل أمير الغناء العربي الفنان هاني شاكر، ولكن وسط برقيات العزاء، برزت تصريحات الإعلامية ريهام سعيد التي حملت مزيجًا من الحزن العميق والندم الذي طال انتظاره.

 فقد عبرت ريهام سعيد بكلمات مؤثرة عن ثقل الأمانة التي حملتها في قلبها لسنوات، وهي الرغبة في الاعتذار لفنان كبير بقيمة هاني شاكر، مؤكدة أن الموت كان أسرع من خطوتها نحو التصالح. وأشارت في حديثها إلى أن شعور الحرج والتردد هو الذي حال دون تصفية النفوس، مما جعل لحظة الوداع مريرة ومحملة بجلد الذات الذي ظهر جليًا في نبرة صوتها خلال لقاءاتها الإعلامية الأخيرة.

جذور الصراع ومعركة المهرجانات

تعود تفاصيل القصة إلى سنوات مضت، وتحديدًا خلال فترة تولي الفنان هاني شاكر منصب نقيب المهن الموسيقية، حين اشتعلت الأزمة الشهيرة حول منع أغاني المهرجانات. 

في ذلك الوقت، كانت ريهام سعيد تتبنى وجهة نظر مغايرة تمامًا، حيث رأت أن هذا اللون الغنائي يمثل نبض الشارع ويقدم بهجة مستحقة للجمهور البسيط، بينما كان هاني شاكر يحارب بشراسة للحفاظ على الهوية الغنائية المصرية وحماية الذوق العام من الكلمات التي اعتبرها مسيئة. هذا التباين في الرؤى لم يمر مرور الكرام، بل تحول إلى خلاف معلن، وجهت خلاله ريهام انتقادات لاذعة لقرار النقيب، وهو الأمر الذي خلق فجوة كبيرة بين إعلامية لها جمهورها وفنان له تاريخه العريق.

ومع مرور الأيام وتطور الساحة الغنائية، بدأت رؤية ريهام سعيد تتغير بشكل جذري تجاه هذا الملف الشائك، حيث اعترفت صراحة بأنها اكتشفت مع الوقت رجاحة عقل هاني شاكر وصحة وجهة نظره التي كان يدافع عنها. وأوضحت الإعلامية أنها أدركت لاحقًا أن الفن ليس مجرد إيقاع صاخب، بل هو رسالة وقيم، وهو ما كان يحاول الراحل ترسيخه بكل قوته. هذا التراجع الفكري زاد من شعورها بالذنب، وجعلها تبحث عن فرصة مناسبة لإبلاغه بأنها تراجعت عن موقفها القديم، لكن الكبرياء أحيانًا أو الخوف من رد الفعل جعل هذه الفرصة تتبخر يومًا بعد يوم حتى وقعت الفاجعة برحيله المفاجئ.

الفرصة الضائعة في ممرات المستشفى

كشفت ريهام سعيد عن موقف إنساني شديد الصعوبة، حيث وصفت كيف أن القدر وضعها في مواجهة مباشرة مع فرصة ذهبية للاعتذار في أحد المستشفيات الخاصة. كان والدها يتلقى العلاج هناك، وعلمت بمحض الصدفة أن الفنان هاني شاكر يتواجد في نفس المكان، فظلت لوقت طويل تتردد بين الإقدام على النزول لمقابلته أو البقاء في مكانها. ووصفت تلك اللحظات بأنها كانت صراعًا بين الرغبة في التحرر من عقدة الذنب وبين الخجل من مواجهة شخص ما دام انتقدته علنًا. وفي النهاية، انتصر الخوف من الرفض أو استمرار الغضب، لتضيع آخر فرصة حقيقية للمواجهة وجهًا لوجه قبل أن يغيبه الموت عن عالمنا.

هذه الشهادة التي أدلت بها ريهام سعيد لم تكن مجرد رثاء لفنان راحل، بل كانت بمثابة درس إعلامي وإنساني حول قيمة الوقت وأهمية المبادرة بالصلح قبل فوات الأوان. وأكدت الإعلامية أنها منذ لحظة سماعها خبر الوفاة، لم تتوقف لسانها عن ترديد عبارة "أنا آسفة"، وهي الكلمة التي تمنت أن يسمعها منه مباشرة. إن هذا الموقف يعكس الجانب الآخر من حياة المشاهير، حيث تظل الصراعات المهنية عالقة في القلوب، وتتحول في لحظات الرحيل إلى غصة لا تداويها الكلمات، خاصة عندما يكون الطرف الآخر رمزًا من رموز الفن الجميل مثل الراحل هاني شاكر.

إرث هاني شاكر الفني والانساني

رحل هاني شاكر تاركًا وراءه مدرسة فنية تميزت بالرقي والعطاء على مدار أكثر من نصف قرن، ولم يكن مجرد مطرب بل كان حائط صد أمام محاولات تشويه الفن المصري. إن الحزن الذي أبدته ريهام سعيد هو في الحقيقة جزء من حزن جماهيري واسع، لكنه عند ريهام ارتبط بندم شخصي وتاريخي. لقد كان هاني شاكر يمثل في نظر محبيه نموذجًا للالتزام، وهو ما جعل اعتراف ريهام سعيد بخطئها في حقه بمثابة شهادة حق متأخرة في مسيرته. وتظل أعماله الخالدة وقراراته الجريئة في النقابة محور نقاش طويل، لكن الأكيد أن رحيله أغلق صفحة كانت ريهام تتمنى أن تنتهي بعناق وتصالح.

يبدو أن رسالة ريهام سعيد قد وصلت إلى الجمهور وإن لم تصل إلى صاحبها، لتؤكد أن الصدق في الاعتراف بالخطأ هو أولى خطوات السلام النفسي.

 لقد قدمت ريهام سعيد من خلال تجربتها المريرة مع الراحل هاني شاكر نموذجًا لكل من يتردد في قول الحقيقة أو الاعتذار، مشددة على أن الحياة أقصر من أن نضيعها في الخلافات والحرج. فنان بحجم هاني شاكر سيبقى حيًا بأعماله، وستظل كلمات ريهام سعيد شاهدة على أن الحق لا يموت، وأن الندم هو الضريبة الأقسى التي يدفعها المرء حينما يؤجل كلمات الحب والاعتذار إلى أن يواري الثرى من يستحقونها.