اشتباكات الزاوية تشتعل: صراع الميليشيات يهدد ثاني أكبر مصفاة نفط في ليبيا
تتصاعد دقات القلوب في مدينة الزاوية الليبية مع كل دوي انفجار يهز أركان الأحياء السكنية، حيث لم تعد أصوات الرصاص مجرد ضجيج عابر، بل أصبحت لغة يومية تفرضها صراعات الميليشيات المسلحة التي اتخذت من المجمع النفطي ساحة لتصفية الحسابات.
إن المشهد الحالي في المدينة التي تبعد أربعين كيلومترًا فقط عن طرابلس، يعكس حالة من الرعب النفسي تعيشها العائلات المحاصرة تحت نيران القذائف العشوائية، في وقت تحول فيه "الذهب الأسود" من نعمة وطنية إلى مغناطيس يجذب أمراء الحرب الباحثين عن بسط السيطرة على أهم مفاصل الاقتصاد الليبي.
هذه الاشتباكات التي اندلعت بعنف داخل المربعات السكنية وبالقرب من مصفاة تكرير النفط الحيوية، لم تكتفِ ببث الذعر فحسب، بل خلفت وراءها قتلى وجرحى من المدنيين الأبرياء الذين وجدوا أنفسهم وقودًا لصراع نفوذ لا ناقة لهم فيه ولا جمل، وسط صمت مطبق من القيادات العليا في المنطقة الغربية والمجلس الرئاسي.
خريطة التحالفات المتصادمة وأمراء الحرب في مواجهة مباشرة
تعود جذور الانفجار الأمني الأخير إلى صراع محتدم بين أقطاب مسلحة تحظى كل منها بغطاء شرعي أو دعم من جهات نافذة داخل السلطة، حيث يقود الطرف الأول محمد بحرون الملقب بـ "الفأر"، وهو نائب رئيس جهاز مكافحة التهديدات الأمنية، في مواجهة مجموعات "القصب" التابعة لمحمد كشلاف وكتيبة الإسناد بقيادة "عثمان اللهب". هذا التضارب في الولاءات والدعم الحكومي المزدوج جعل من مدينة الزاوية برميلًا من البارود ينتظر عود ثقاب، وهو ما حدث بالفعل صبيحة الجمعة حين تحولت الشوارع إلى خطوط تماس عسكرية مباشرة أدت إلى سقوط ضحايا بين النساء والأطفال. إن التغلغل الميليشياوي داخل مؤسسات الدولة الأمنية يفرض ضغطًا نفسيًا هائلًا على المواطن الليبي، الذي يرى بأم عينه كيف تتحول الأجهزة المفترض بها حمايته إلى أدوات للقتال الداخلي والسيطرة على المقدرات العامة، مما يضع مصداقية العملية الأمنية برمتها على المحك أمام الرأي العام المحلي والدولي.
مصفاة الزاوية تحت النيران وتهديد حقيقي لإمدادات الوقود الوطنية
لم تكن المؤسسة الوطنية للنفط بمنأى عن هذا العبث، إذ اضطرت لإعلان وقف احترازي لعمليات تشغيل مجمع الزاوية النفطي بعد سقوط قذائف ثقيلة داخل مواقع التشغيل والمناطق السكنية التابعة للمصفاة.
إن توقف هذه المنشأة التي تعد ثاني أكبر مصفاة في ليبيا بطاقة تصل إلى 120 ألف برميل يوميًا، لا يمثل خسارة مالية فحسب، بل يهدد بقطع شريان الحياة عن العاصمة طرابلس التي تعتمد بشكل أساسي على إمدادات الوقود القادمة من الزاوية. هذا الوضع المريب دفع بشركة تكرير النفط إلى إخلاء الميناء من الناقلات النفطية وتأمين طلبة معهد النفط بعيدًا عن جحيم المعارك، في خطوة استباقية لمنع وقوع كارثة بيئية أو إنسانية قد تنجم عن إصابة الخزانات الكبرى بالمقذوفات الطائشة، مما يزيد من تعقيد المشهد اللوجستي ويجبر لجنة تزويد الوقود على البحث عن بدائل مكلفة من مدينة مصراتة لتعويض النقص المحتمل.
العمليات الأمنية والسيطرة على أوكار الجريمة وتهريب الوقود
جاءت هذه التطورات الدامية بعد ساعات من إعلان مديرية أمن الزاوية عن إطلاق حملة واسعة النطاق تهدف إلى استعادة السيطرة على المجمع النفطي وتطهير المدينة من المجرمين والمطلوبين والخارجين عن القانون. وحسب الرواية الرسمية، فإن الهدف من هذه التحركات هو إنهاء هيمنة المجموعات المسلحة التي تستغل الساحل والمجمع في أنشطة غير قانونية تشمل تهريب المحروقات والاتجار بالبشر والمهاجرين عبر البحر، وهي أنشطة استنزفت خزينة الدولة لسنوات طويلة. ورغم نبل الأهداف المعلنة، إلا أن الواقع الميداني وتبرؤ المنطقة العسكرية بالساحل الغربي من المشاركة في هذه العملية، يثير تساؤلات عميقة حول التنسيق الأمني الحقيقي ومدى قدرة الدولة على تنفيذ قانونها دون الانزلاق إلى حروب شوارع تزيد من معاناة السكان وتدمر البنية التحتية المتهالكة أصلًا بفعل سنوات الصراع المريرة.
دعوات الاستغاثة وتحذيرات طب الطوارئ من تفاقم الكارثة الإنسانية
في ظل هذا الجحيم المستعر، أطلق مركز طب الطوارئ والدعم في الزاوية نداءات استغاثة عاجلة للأهالي بضرورة التزام المنازل وعدم الخروج إلا للضرورة القصوى، مع توخي أقصى درجات الحيطة والحذر من القصف العشوائي الذي طال المنازل والمنشآت العامة.
إن صرخة المواطن في الزاوية اليوم هي صرخة نفسية تعبر عن فقدان الثقة في الاستقرار المزعوم، حيث يشعر السكان بأنهم رهائن لطموحات عسكرية وشخصية لأمراء الحرب الذين يتبادلون السيطرة على المربعات السكنية. إن بقاء الوضع على ما هو عليه دون تدخل حاسم من المجلس الرئاسي والحكومة لفض الاشتباكات وإخراج الميليشيات من المناطق الحيوية، يعني بالضرورة استمرار "متلازمة اشتباكات الزاوية" التي تبدد كل مرة آمال الليبيين في الوصول إلى انتخابات وطنية شاملة تنهي مرحلة الانقسام وتعيد هيبة الدولة المختطفة خلف جدران المجمعات النفطية.