من مخيم عين الحلوة إلى قاعات المحاكم.. رحلة فضل شاكر لتصفية ملفاته القضائية في 2026
شهدت أروقة القضاء اللبناني في العاصمة بيروت تطورًا دراماتيكيًا قد يغير مسار حياة الفنان فضل شاكر بشكل جذري؛ حيث أصدرت محكمة الجنايات حكمًا يقضي ببراءته من تهمة محاولة قتل "هلال حمود"، العنصر السابق في سرايا المقاومة، وهي القضية التي ظلت تلاحق "ملك الإحساس" لأكثر من عقد من الزمان.
هذا الحكم لا يعد مجرد انتصار قانوني للفنان اللبناني، بل هو الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل التي بدأها شاكر في أكتوبر 2025 حين قرر تسليم نفسه لمخابرات الجيش اللبناني، منهيًا بذلك سنوات طويلة من العزلة داخل مخيم عين الحلوة. ومع صدور هذا القرار، تترقب الأوساط الفنية والقانونية الجلسة الكبرى أمام المحكمة العسكرية في نهاية شهر مايو الجاري، والتي ستحدد مصير فضل شاكر في القضية الأكثر تعقيدًا المعروفة إعلاميًا بـ "أحداث عبرا"، وسط تفاؤل حذر من عائلته بقرب الفرج النهائي.
تفاصيل حكم البراءة في قضية هلال حمود وكواليس التنازل
تعود جذور القضية التي حصل فيها فضل شاكر على البراءة إلى ما يقرب من 11 عامًا، حين رفع هلال حمود دعوى جنائية اتهم فيها الفنان اللبناني والشيخ الموقوف أحمد الأسير بتهديده ومحاولة قتله. وعلى مدار سنوات، ارتبط اسم شاكر بهذه التهمة التي أثرت بشكل مباشر على صورته العامة وموقفه القانوني، إلا أن التحقيقات والمواجهات القانونية الأخيرة أحدثت اختراقًا كبيرًا؛ حيث تراجع حمود عن اتهاماته السابقة، نافيًا مشاركة فضل شاكر في أي أعمال تهديد أو محاولة قتل ضده. هذا التراجع الذي توج بتنازل رسمي عن الدعوى، منح محكمة جنايات بيروت القناعة التامة بانتفاء الأدلة ضد شاكر، مما أدى لصدور حكم البراءة الذي احتفى به نجل الفنان، محمد شاكر، عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وعلق محمد شاكر على هذا القرار عبر حسابه في "إنستغرام"، مؤكدًا أن هذا الملف هو الأول من بين عدة ملفات يسعى والده لإغلاقها نهائيًا. وأعرب محمد عن ثقته العميقة في "العهد الجديد" للقضاء اللبناني، معتبرًا أن الحق بدأ يظهر للعلن بعد سنوات من الظلم والملاحقة الغيابية.
إن هذا الحكم يمثل دفعة معنوية هائلة لفضل شاكر الذي اختار طواعية مواجهة القضاء لإنهاء حالة الشتات القانوني التي عاشها، وهو ما يعكس رغبته في العودة إلى حياته الطبيعية وربما الفنية، حال تبرئته من باقي التهم المنسوبة إليه في الملفات الأخرى التي لا تزال منظورة أمام المحاكم العسكرية والمدنية.
محطة 26 مايو.. أحداث عبرا والاختبار الأصعب أمام المحكمة العسكرية
رغم فرحة البراءة في الملف الأول، إلا أن الاختبار الحقيقي والأصعب ينتظر فضل شاكر في 26 مايو الجاري؛ حيث من المقرر أن يمثل أمام المحكمة العسكرية لمتابعة القضية المتعلقة بـ "أحداث عبرا" التي وقعت في يونيو 2013. وتعد هذه القضية هي العائق الأكبر أمام حرية الفنان، حيث يواجه تهمًا ثقيلة تتعلق بتمويل جماعة أحمد الأسير، وتوفير الدعم العسكري واللوجستي لهم، والاعتداء على حاجز تابع للجيش اللبناني. وهي التهم التي نفاها شاكر مرارًا وتكرارًا في إفاداته، مؤكدًا أن علاقته بالأسير كانت تقتصر على الجوانب الدينية والاجتماعية في بدايتها، ولم تتورط أبدًا في أي عمل عسكري ضد المؤسسة العسكرية اللبنانية.
وتكتسب جلسة 26 مايو أهمية قصوى لأنها ستناقش أدلة التمويل وتبييض الأموال المنسوبة لشاكر، بالإضافة إلى ملفات أخرى تتعلق بدعم جماعات مسلحة. ومنذ تسليمه لنفسه قبل ستة أشهر، تخضع كافة ملفات شاكر لتدقيق قانوني صارم،
حيث يسعى فريق دفاعه لإثبات عدم تورطه الميداني في معركة عبرا، مستندين إلى غيابه عن ساحة المواجهة الفعلية وشهادات بعض الموقوفين. إن نتيجة هذه المحاكمة ستكون حاسمة؛ فإما أن تغلق ملفات فضل شاكر براءة أو تخفيفًا يمهد لخروجه، أو يواجه أحكامًا قد تعيده خلف القضبان لفترات طويلة، وهو ما يجعل شهر مايو الحالي شهرًا مصيريًا في تاريخ الفنان الشخصي والمهني.
عشر سنوات في عين الحلوة.. كواليس قرار تسليم النفس وإغلاق الملفات
لم يكن قرار فضل شاكر بتسليم نفسه لمخابرات الجيش اللبناني في أكتوبر 2025 قرارًا سهلًا، بل جاء بعد تفكير عميق ومفاوضات استمرت لفترة طويلة عبر وسطاء قانونيين. فبعد قضائه أكثر من 10 سنوات داخل مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين، وجد صاحب أغنية "يا غايب" نفسه أمام خيارين: إما البقاء في "منفى اختياري" لا ينتهي، أو المواجهة القانونية لتبرئة ساحته من تهم يراها باطلة.
إن استقراره في المخيم طوال تلك المدة كان يشكل عائقًا أمام ممارسته لأي نشاط فني رسمي، كما أثقل كاهل عائلته التي ظلت تطالب بفرصة لمحاكمة عادلة تظهر حقيقة موقفه من الأحداث الأمنية التي عصفت بلبنان قبل عقد من الزمان.
وبالفعل، ومنذ بدء محاكماته قبل ستة أشهر، بدا واضحًا أن هناك توجهًا لدى فضل شاكر لتصفية كافة القضايا العالقة، بما فيها تهم تبييض الأموال وتمويل جماعات توصف بالإرهابية. هذه الشجاعة في المواجهة قوبلت بترقب كبير من جمهوره العريض في الوطن العربي، الذي لا يزال يتذكر صوته الدافئ وأغانيه الرومانسية.
إن حكم البراءة الصادر مؤخرًا في قضية هلال حمود قد يكون "بشرة خير" للملفات القادمة، وربما تكون هذه هي البداية الحقيقية لعودة فضل شاكر إلى الأضواء، ليس كهارب من العدالة، بل كمواطن خضع للقانون وحصل على حقه في الدفاع والبراءة، مما يفتح صفحة جديدة في سجل الفن اللبناني لعام 2026.