انقسام الأطلسي تحت ضغط الحرب.. انسحاب أمريكي من ألمانيا يعيد تشكيل معادلة الأمن الأوروبي
أثار قرار الولايات المتحدة سحب نحو خمسة آلاف جندي من ألمانيا خلال الأشهر المقبلة موجة من التوتر داخل المنظومة الأطلسية، حيث اعتُبر الخطوة مؤشرًا على إعادة تقييم واشنطن لانتشارها العسكري في أوروبا.
ويأتي هذا القرار في لحظة حساسة تتزايد فيها التحديات الأمنية العالمية، ما دفع دولًا أوروبية إلى إعادة النظر في اعتمادها على المظلة الدفاعية الأمريكية.
يريفان تتحول إلى منصة للنقاش الأمني الأوروبي
في هذا السياق، احتضنت العاصمة الأرمينية يريفان اجتماع المجموعة السياسية الأوروبية، التي تضم دول الاتحاد الأوروبي وشركاء خارجه، لبحث مستقبل الأمن في القارة.
لكن النقاشات لم تقتصر على الملفات التقليدية، إذ طغى على الاجتماع تصاعد التوترات الدولية، وعلى رأسها تداعيات المواجهة المرتبطة بـإيران، ما جعل الملف الأمني الأوروبي يتداخل بشكل مباشر مع أزمات الشرق الأوسط.
ضغط أمريكي يتجاوز الانتشار العسكري
حسب المعطيات المطروحة خلال الاجتماع، لم يعد الضغط الأمريكي مقتصرًا على الوجود العسكري، بل امتد إلى البنية السياسية واللوجستية التي تربط واشنطن بالقارة الأوروبية.
وتشير هذه التطورات إلى أن الدور الأمريكي في أوروبا لم يعد يُدار فقط من خلال حلف حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بل أيضًا عبر تفاهمات ثنائية حول استخدام القواعد والدعم العملياتي.
الحرب في إيران تعيد تشكيل أولويات القارة
برزت الحرب المرتبطة بـإيران كعامل ضغط رئيسي خلال اجتماع يريفان، حيث طُلب من دول أوروبية تقديم تسهيلات عسكرية ولوجستية ضمن ترتيبات مرتبطة بالعمليات الجارية.
هذا التطور يعكس انتقال بعض الأزمات من نطاقها الإقليمي إلى الساحة الأوروبية، حيث تصبح القواعد والبنية التحتية العسكرية في القارة جزءًا من معادلات صراع أوسع.
انقسام أوروبي حول استخدام القواعد العسكرية
أظهرت النقاشات داخل الاجتماع تباينًا واضحًا في المواقف الأوروبية.
فبينما أشارت تصريحات الأمين العام لـحلف شمال الأطلسي (الناتو) مارك روته إلى انخراط عدة دول في ترتيبات دعم لوجستي وعملياتي تشمل دولًا مثل كرواتيا ورومانيا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا واليونان وبريطانيا والبرتغال والجبل الأسود، برز موقف مغاير من إسبانيا التي رفضت استخدام قواعدها في أي عمليات مرتبطة بالحرب.
هذا التباين كشف حدود الإجماع داخل الحلف، وأعاد طرح سؤال حول مدى قدرة أوروبا على تبني سياسة دفاعية موحدة.
دعوات أوروبية لتعزيز الاستقلال الدفاعي
في خضم هذه التطورات، دعا رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى ضرورة تعامل الأوروبيين بشكل جماعي مع الضغوط المتزايدة، فيما شدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على أهمية رفع الإنفاق الدفاعي وتطوير قدرات عسكرية مشتركة.
وتعكس هذه الدعوات توجهًا متناميًا داخل أوروبا نحو تعزيز الاستقلال الاستراتيجي، وتقليل الاعتماد على واشنطن في إدارة الأزمات الأمنية.
إعادة تعريف العلاقة الأطلسية
تشير التطورات مجتمعة إلى أن العلاقة بين جانبي الأطلسي تمر بمرحلة إعادة تعريف، حيث لم يعد التنسيق الأمني قائمًا على الانسجام الكامل، بل على إدارة تفاوضية لمصالح متباينة.
فمن جهة، تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة توزيع أعباءها العسكرية عالميًا، ومن جهة أخرى تواجه أوروبا تحدي بناء منظومة دفاعية أكثر استقلالية في بيئة دولية مضطربة.
ويكشف قرار سحب القوات الأمريكية من ألمانيا، وما رافقه من نقاشات في يريفان، عن مرحلة دقيقة في العلاقات الأطلسية، حيث يتقاطع الضغط الأمريكي مع انقسامات أوروبية داخلية وتداعيات حرب إيران. وبين الدعوات لتعزيز الاستقلال الدفاعي والاختلافات حول استخدام القواعد، يبدو أن النظام الأمني الأوروبي يدخل مرحلة إعادة تشكيل عميقة قد تعيد رسم توازناته التقليدية.