< اضطراب القرار العسكري في طهران.. صراع الصلاحيات يخرج إلى العلن ويضغط إقليميًا
متن نيوز

اضطراب القرار العسكري في طهران.. صراع الصلاحيات يخرج إلى العلن ويضغط إقليميًا

متن نيوز

وضعت تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بنية النظام السياسي في إيران تحت ضغط غير مسبوق، بعدما أقرّ بشكل ضمني بوجود فجوة في التنسيق بين الحكومة المدنية والحرس الثوري الإيراني.
فالتصريحات لم تكتفِ بوصف التصعيد العسكري بأنه "خطير"، بل ذهبت إلى حد الاعتذار لدول الجوار، في خطوة نادرة تعكس حجم الارتباك داخل دوائر صنع القرار. غير أن التراجع اللاحق عن صيغة الاعتذار عبر حذفها من الخطاب المنشور زاد من تعقيد المشهد، وأظهر غياب رواية رسمية متماسكة.

 قرار الحرب خارج القناة السياسية
تشير المعطيات إلى أن الضربات الصاروخية والمسيّرة التي طالت دولًا مجاورة نُفذت دون علم أو تنسيق كامل مع الحكومة، ما يعني أن قرار الحرب لم يعد محصورًا في مؤسسة سياسية مركزية.
هذا التحول يسلّط الضوء على تعدد مراكز القرار داخل النظام الإيراني، حيث تتحرك أدوات عسكرية بوزن الحرس الثوري الإيراني وفق اعتبارات ميدانية خاصة، خصوصًا بعد خسارة قيادات بارزة في بداية التصعيد.

وبذلك، يصبح المشهد أقرب إلى إدارة متعددة المسارات، تفتقر إلى الانضباط المؤسسي الواضح، ما يضعف قدرة الدولة على التحكم في إيقاع التصعيد أو احتوائه سياسيًا.

 من خلل داخلي إلى أزمة إقليمية
لا يظل هذا الاضطراب محصورًا داخل طهران، بل يمتد أثره مباشرة إلى الإقليم. فالدولة التي تضطر لتقديم اعتذار بعد تنفيذ عمليات عسكرية من داخل أجهزتها، تعكس حالة انقسام تجعل من الصعب فصل المسؤوليات أو احتواء التداعيات.
وتبرز خطورة هذا الوضع في أن أي تصعيد غير منضبط قد يجر المنطقة إلى مواجهات أوسع، خاصة في ظل التوترات المتراكمة مع دول الجوار، التي تنظر إلى هذه العمليات باعتبارها تهديدًا مباشرًا لأمنها.

 مضيق هرمز… نقطة الاختبار الأخطر
يتجلى تأثير هذا الارتباك بشكل أكثر حساسية في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لتدفق الطاقة عالميًا.
فأي تحرك عسكري إيراني في هذه المنطقة يتحول سريعًا إلى أزمة دولية، نظرًا لارتباطه بأسواق النفط والملاحة العالمية. ومع غياب تنسيق واضح داخل بنية القرار الإيراني، تتزايد المخاوف من خطوات غير محسوبة قد تؤدي إلى تعطيل الملاحة أو تهديد السفن.

 

 حضور أمريكي متزايد واحتمالات الاحتكاك
في هذا السياق، تدخل الولايات المتحدة على خط التوتر، بوصفها الضامن الأساسي لأمن الملاحة في الخليج.
أي تهديد يصدر من الجانب الإيراني، حتى لو كان نتيجة خلل داخلي، يُقابل بتحركات عسكرية أو بحرية أمريكية، ما يرفع من احتمالات الاحتكاك المباشر. وهنا تتعقد الأزمة أكثر، لأن الخطأ التكتيكي أو القرار غير المنسق قد يتحول إلى مواجهة استراتيجية واسعة.

 

أزمة رواية وسلطة داخل النظام
تكشف هذه التطورات عن أزمة مزدوجة داخل النظام الإيراني: أزمة قرار، وأزمة رواية.
فعلى مستوى القرار، يبدو أن السلطة التنفيذية لا تملك السيطرة الكاملة على أدوات القوة. وعلى مستوى الرواية، تعجز الدولة عن تقديم تفسير متماسك لما يحدث، خاصة مع التناقض بين التصريحات الرسمية والتعديلات اللاحقة عليها.

هذا التناقض لا يضعف فقط صورة الدولة خارجيًا، بل يفتح أيضًا الباب أمام تساؤلات داخلية حول طبيعة توزيع السلطة وحدودها، ومدى قدرة القيادة السياسية على إدارة ملفات بحجم الحرب والتصعيد الإقليمي.

خلل عميق
ما كشفته تصريحات مسعود بزشكيان يتجاوز كونه موقفًا سياسيًا عابرًا، ليعكس خللًا عميقًا في بنية الحكم داخل إيران. وبين تعدد مراكز القرار، وغياب التنسيق، وتضارب الخطاب الرسمي، تتحول الأزمة من شأن داخلي إلى عامل ضغط إقليمي مفتوح، يحمل في طياته مخاطر تصعيد يصعب التحكم في مساره.