< هاني شاكر في ذمة الله: قصة الصعود من كورال "عبد الحليم" إلى قمة الهرم الغنائي
متن نيوز

هاني شاكر في ذمة الله: قصة الصعود من كورال "عبد الحليم" إلى قمة الهرم الغنائي

هاني شاكر
هاني شاكر

برحيل الفنان المصري الكبير هاني شاكر عن عمر ناهز 73 عامًا، يفقد الفن العربي واحدًا من أخلص حراس الأغنية الكلاسيكية، وصوتًا ظل على امتداد أكثر من نصف قرن شاهدًا على زمن كانت فيه الكلمة تُغزل بالإحساس واللحن يُصاغ بوقار الطرب.

 لم يكن هاني شاكر مجرد مطرب حقق شهرة واسعة، بل كان امتدادًا شرعيًا لجيل العمالقة الذين عاصرهم في بداياته مثل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ، ليحمل عنهم لواء "السهل الممتنع" ويمضي به بثبات وسط عواصف التغيير الموسيقي.

 وبرحيله، تُطوى صفحة مشرقة من تاريخ الفن المصري، كان فيها شاكر بمثابة المرجعية الأخلاقية والفنية للأغنية الرومانسية، تاركًا خلفه فراغًا لن يملأه سوى رصيده الضخم الذي تجاوز 600 أغنية شكلت ذاكرة الحب والشجن لدى ملايين العرب.

البدايات الذهبية: موهبة صُقلت تحت أقدام العمالقة

لم يأتِ نجاح هاني شاكر من فراغ، بل كان نتاج شغف مبكر صقله بالدراسة الأكاديمية في معهد الكونسرفتوار بكلية التربية الموسيقية بالزمالك. وقبل أن يتصدر اسمه الأفيشات، كان صوته يتردد في أوبريتات الأطفال مع "أبلة فضيلة"، حيث ظهرت ملامح ثقته بنفسه باشتراطه الغناء المنفرد "صولو" منذ نعومة أظفاره. 

وتُعد وقفته في كورال أغنية "بالأحضان" خلف العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ مشهدًا رمزيًا يلخص مسيرة فنان تعلم التواضع من الكبار ليصبح لاحقًا كبيرًا في مقامه. وجاءت نقطة التحول الكبرى عام 1972 حين قدمه الموسيقار محمد الموجي في أغنية "حلوة يا دنيا"، ليثبت أقدامه كصوت قادر على منافسة الكبار بأسلوب يجمع بين الحداثة وتقاليد الطرب الأصيلة.

الشاشة والخشبة: تجربة فنية لم يحاصرها الغناء وحده

رغم أن الغناء كان هوية هاني شاكر الأساسية، إلا أن طموحه الفني دفعه لاقتحام عالم السينما والمسرح. بدأ مشواره السينمائي طفلًا يجسد دور "سيد درويش"، ثم شارك الزعيم عادل إمام في "عندما يغني الحب"، ونيللي في "عايشين للحب". 

ورغم محدودية تجاربه السينمائية التي انتهت بفيلم "هذا أحبه وهذا أريده"، إلا أنه ترك بصمة سينمائية رقيقة. وفي المسرح، تألق في أوبريتات غنائية مثل "سندريلا والمداح"، كما حضر تلفزيونيًا في فوازير "الخاطبة"، مؤكدًا قدرته على التلون الفني.

 وكان ابتعاده عن التمثيل لاحقًا نابعًا من احترام شديد لصورته كمطرب، حيث كان يرى أن الأدوار المعروضة لم تعد تشبه وقاره الفني الذي بناه عبر العقود.

مدرسة الإدارة الفنية: معارك النقابة والحفاظ على الهوية

لم يكتفِ الراحل هاني شاكر بكونه فنانًا، بل تصدى للمسؤولية العامة حين فاز بمنصب نقيب المهن الموسيقية عام 2015 لولايتين متتاليتين. خلال هذه الفترة، خاض شاكر أشرس معاركه في الدفاع عما وصفه بـ "الذوق العام"، متصديًا لظاهرة "المهرجانات" ومحاولًا فرض ضوابط تضمن جودة الكلمة واللحن. ورغم الجدل الواسع الذي أثارته قراراته بمنع بعض المغنيين، إلا أنه ظل متمسكًا بموقفه المبدئي بأن الفن رسالة يجب حمايتها من الابتذال. هذه الشخصية القيادية جعلت منه مرجعًا في لجان تحكيم برامج المواهب مثل "ذا فويس"، حيث كان ينقل خبرته للأجيال الجديدة بصدق المعلم وحنو الأب.

المأساة الإنسانية: شجن الصوت الذي عمّقه الألم

خلف ملامح "البرنس" الهادئة وصوته الرومانسي، عاش هاني شاكر جرحًا إنسانيًا لم يندمل بوفاة ابنته "دينا" عام 2011 بعد صراع مرير مع المرض. 

هذه التجربة القاسية غيرت نبرة صوته لتصبح أكثر صدقًا وشجنًا، وكأن الألم قد صقل أوتاره الحنجرية. صرح الراحل في لقاءات عديدة بأن رحيل ابنته كان بمثابة دفن قطعة من جسده، ولم يجد عزاءه إلا في حفيديه "مليكة ومجدي" اللذين يرى فيهما ملامح ابنته الراحلة. هذا العمق الإنساني هو ما جعل أغنيات الحزن في رصيده، مثل "يا ريتني"، و"علي الضحكاية"، و"ولا كان بأمري"، تلامس شغاف القلوب، لأنها لم تكن مجرد كلمات تُغنى بل مشاعر تُعاش بكل تفاصيلها.

رحيل الجسد وبقاء النغم الخالد

برحيل هاني شاكر، تُغلق ستارة المسرح على واحد من أنقى الأصوات التي عرفها القرن العشرين والحادي والعشرين. لقد استطاع "أمير الغناء" أن يحافظ على وقاره الفني حتى الرمق الأخير، مختتمًا مسيرته بألبوم "اليوم جميل" عام 2024، وكأنه يودع جمهوره برسالة تفاؤل رغم الألم. 

سيبقى هاني شاكر حاضرًا في كل ذكرى حب، وفي كل لحظة فراق، وفي كل أمنية جميلة عبّر عنها بصوته الدافئ. إن الأوسمة التي نالها من تونس وفلسطين وغيرها من الدول العربية هي مجرد رموز لوسام أكبر ناله في قلوب الملايين، وسيبقى صوته بوصلة لكل من يبحث عن الفن الجميل في زمن ضجيج الآلات، ليرحل هاني شاكر بجسده ويبقى "الحلم الجميل" خالدًا في وجداننا.