< تصدع في الناتو.. تهديدات ترامب تعيد رسم خريطة الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا
متن نيوز

تصدع في الناتو.. تهديدات ترامب تعيد رسم خريطة الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا

متن نيوز

دخلت العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا مرحلة جديدة من التوتر العملي، بعدما وسّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دائرة تهديداته بخفض الوجود العسكري الأمريكي، لتشمل إلى جانب ألمانيا كلًا من إيطاليا وإسبانيا. ويعكس هذا التصعيد تحولًا لافتًا في طبيعة العلاقة داخل التحالف الغربي، من شراكة استراتيجية مستقرة إلى أداة ضغط سياسي مباشر.

من ترتيبات دفاعية إلى أوراق ضغط

لطالما شكّل الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا أحد أعمدة الأمن الجماعي ضمن حلف شمال الأطلسي، حيث تنتشر القواعد الأمريكية في مواقع استراتيجية تخدم التوازن العسكري في القارة وتدعم العمليات في الشرق الأوسط. غير أن إدارة ترامب أعادت توظيف هذا الوجود كأداة للضغط على الحلفاء، عبر ربطه بمستوى “الانضباط السياسي” وتوافق المواقف مع واشنطن.

هذا التحول يثير قلقًا متزايدًا في العواصم الأوروبية، التي ترى في هذه الخطوة تقويضًا لمبدأ الشراكة المتكافئة، وتحويلًا للأمن الجماعي إلى ورقة تفاوضية.

خلفية الخلاف: الحرب في إيران

يتقاطع هذا التصعيد مع خلاف أعمق حول إدارة الحرب في إيران، حيث تطالب واشنطن بدعم أوروبي أكبر، في وقت تتبنى فيه دول أوروبية مواقف أكثر حذرًا. ويبدو أن ملف القواعد العسكرية أصبح جزءًا من هذا الخلاف، في محاولة أمريكية لدفع الحلفاء إلى تبني سياسات أكثر انسجامًا مع البيت الأبيض.

ألمانيا: هدوء دبلوماسي رغم الضغوط

بدأت الأزمة مع قرار سحب نحو خمسة آلاف جندي أمريكي من ألمانيا، وهو ما يمثل ضربة رمزية وعملية في آن واحد. ورغم ذلك، تعاملت برلين مع القرار بهدوء نسبي، مركزة على الحفاظ على استمرارية الشراكة داخل الناتو، وتجنب التصعيد العلني مع واشنطن.

هذا النهج يعكس إدراكًا ألمانيًا لحساسية المرحلة، ومحاولة لاحتواء الخلاف دون الإضرار بالبنية الأمنية الأوسع.

إسبانيا: رد أكثر صلابة

في المقابل، جاء الرد من إسبانيا أكثر وضوحًا، حيث أكدت وزيرة الدفاع مارغاريتا روبليس أن بلادها “لا تقبل تلقي دروس” بشأن مساهمتها في الناتو، مشددة على أن مدريد تؤدي دورها الكامل داخل الحلف.

هذا الموقف يعكس توجهًا أوروبيًا متناميًا لرفض الضغوط الأمريكية، والدفاع عن استقلالية القرار السياسي.

إيطاليا: حذر وتساؤلات

أما إيطاليا، فقد تبنت موقفًا أكثر حذرًا، إذ عبّر وزير الدفاع غويدو كروزيتو عن عدم فهمه لدوافع التصعيد الأمريكي، دون الدخول في مواجهة مباشرة.

ويعكس هذا الموقف محاولة إيطالية للموازنة بين الحفاظ على العلاقة مع واشنطن وتجنب الانخراط في توتر مفتوح.

تداعيات استراتيجية محتملة

يحمل هذا التصعيد عدة تداعيات على المدى المتوسط والبعيد، أبرزها:

  • إعادة تقييم الوجود العسكري الأمريكي: قد تشهد أوروبا إعادة توزيع للقوات الأمريكية، بما يؤثر على التوازن العسكري داخل القارة.
  • تعزيز الدعوات للاستقلال الدفاعي الأوروبي: قد تدفع هذه التطورات الاتحاد الأوروبي إلى تسريع خطط بناء قدرات دفاعية مستقلة.
  • إضعاف تماسك الناتو: استخدام القواعد كأداة ضغط قد يقوّض الثقة بين الحلفاء ويؤثر على فعالية التنسيق العسكري.

بين الشراكة والابتزاز السياسي

يرى مراقبون أن ما يجري يمثل اختبارًا حقيقيًا لطبيعة التحالف عبر الأطلسي: هل سيبقى قائمًا على المصالح المشتركة والقيم، أم سيتحول إلى علاقة غير متكافئة تُستخدم فيها أدوات القوة لفرض التوجهات السياسية؟

مرحلة جديدة من العلاقات

تكشف تهديدات دونالد ترامب بتقليص الوجود العسكري في أوروبا عن مرحلة جديدة من العلاقات الأمريكية الأوروبية، تتسم بالتوتر وإعادة تعريف الأدوار. وبينما تسعى واشنطن إلى فرض رؤيتها الاستراتيجية، تجد أوروبا نفسها أمام خيار صعب: إما التكيف مع الشروط الجديدة، أو العمل على بناء استقلالية تضمن لها هامشًا أكبر من القرار في عالم يتغير بسرعة.