اختراق خطير داخل الجيش المالي.. تواطؤ عسكري مع جماعات مسلحة يعمّق أزمة الدولة في الساحل
في تطور صادم يعكس هشاشة الوضع الأمني في مالي، أعلنت السلطات عن كشف تواطؤ عدد من الضباط العسكريين مع جماعات إرهابية وانفصالية، في ما وُصف بأنه أخطر اختراق للمؤسسة العسكرية منذ سنوات، بالتزامن مع تصاعد غير مسبوق في وتيرة الهجمات المسلحة في البلاد.
اتهامات رسمية وتفاصيل صادمة
أفاد المدّعي العام للمحكمة العسكرية في العاصمة باماكو بوجود “أدلة دامغة” على تورط عسكريين، بينهم ضباط في الخدمة وآخرون مفصولون، في التعاون مع جماعات مسلحة. وأوضح أن هؤلاء شاركوا بشكل مباشر في التخطيط والتنسيق وتنفيذ الهجمات التي ضربت البلاد مؤخرًا، والتي تُعد الأكبر منذ أكثر من عقد.
كما أشار البيان إلى تورط شخصيات سياسية، من بينها عمر ماركو، ما يوسع دائرة الأزمة لتشمل تداخلات خطيرة بين السياسة والعسكر والجماعات المسلحة.
انتكاسات ميدانية متتالية
في موازاة هذه التطورات، أعلنت جبهة تحرير أزواد سيطرتها على معسكر عسكري استراتيجي في بلدة تيساليت، بعد انسحاب الجيش المالي وقوات روسية تابعة لما يُعرف بـ“فيلق إفريقيا”.
وتُعد هذه السيطرة ضربة جديدة للمجلس العسكري الحاكم، خاصة بعد خسارته السابقة لمدينة كيدال، التي لطالما كانت مركزًا مهمًا في الصراع مع الجماعات الانفصالية.
دور القوات الأجنبية وتعقيدات المشهد
وجود عناصر روسية ضمن ما يُعرف بـ“فيلق إفريقيا” يعكس تحولات في تحالفات باماكو، التي اتجهت في السنوات الأخيرة نحو موسكو بعد تراجع الوجود الغربي، خصوصًا الفرنسي. إلا أن انسحاب هذه القوات من مواقع استراتيجية يثير تساؤلات حول فعالية هذا التحالف وقدرته على دعم الاستقرار.
أزمة ثقة داخل المؤسسة العسكرية
يشير الكشف تواطؤ عسكريين إلى أزمة عميقة داخل الجيش المالي، الذي يُفترض أن يكون خط الدفاع الأول ضد التمرد. هذا الاختراق لا يضعف فقط القدرات العملياتية، بل يقوّض الثقة في المؤسسة العسكرية ويعقّد جهود مكافحة الإرهاب.
كما يطرح تساؤلات حول مدى انتشار هذه الظاهرة، وما إذا كانت حالات فردية أم جزءًا من شبكة أوسع من الولاءات المتداخلة.
تصاعد العنف في منطقة الساحل
تأتي هذه التطورات في سياق تصاعد أعمال العنف في منطقة الساحل الأفريقي، التي تُعد واحدة من أخطر بؤر التطرف في العالم. وتشهد المنطقة نشاطًا متزايدًا لجماعات مرتبطة بتنظيمات إرهابية، مستفيدة من ضعف الدولة وامتداد الجغرافيا الصحراوية.
ومنذ انقلاب عام 2020، تعيش مالي تحت حكم عسكري، في ظل تحديات متزايدة تشمل التمرد المسلح، والأزمات الاقتصادية، وتراجع الدعم الدولي.
تداعيات سياسية وأمنية
من المتوقع أن تؤدي هذه التطورات إلى مزيد من الضغوط على المجلس العسكري الحاكم، داخليًا وخارجيًا، خاصة مع تزايد الانتقادات بشأن قدرته على إدارة الملف الأمني.
كما قد تدفع هذه الأزمة إلى إعادة تقييم الشراكات العسكرية، سواء مع روسيا أو مع أطراف إقليمية ودولية أخرى، في محاولة لاحتواء التدهور الأمني.
مرحلة خطيرة
تكشف قضية التواطؤ داخل الجيش المالي عن مرحلة خطيرة تمر بها البلاد، حيث لم تعد التهديدات تقتصر على الجماعات المسلحة، بل امتدت إلى داخل مؤسسات الدولة نفسها. وفي ظل هذا الواقع المعقد، تبدو مهمة استعادة الاستقرار أكثر صعوبة، ما لم تُتخذ خطوات جذرية لإعادة بناء الثقة وتعزيز تماسك الدولة في مواجهة التحديات المتصاعدة.