< إفريقيا تنزف أولًا.. حرب إيران تخنق العالم والفاتورة "باهظة"
متن نيوز

إفريقيا تنزف أولًا.. حرب إيران تخنق العالم والفاتورة "باهظة"

متن نيوز

تشهد عدد من العملات في الدول النامية ضغوطًا متزايدة منذ اندلاع الحرب، مع انتقال آثار التوترات إلى أسواق الطاقة والتجارة العالمية، وهو ما انعكس بشكل واضح على اقتصادات أكثر هشاشة، خصوصًا في إفريقيا.

 

وبحسب بيانات اقتصادية، سجّلت عملات نحو 29 دولة أفريقية، تراجعًا ملحوظًا منذ اندلاع الحرب، في ظل ارتفاع الطلب على الدولار كملاذ آمن، إلى جانب خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، ما زاد الضغط على العملات المحلية ورفع كلفة الواردات. 

الدول العربية في مواجهة الأزمات 

 

ويعود هذا التأثير غير المتوازن، وفق محللين، إلى طبيعة البنية الاقتصادية لكل منطقة وقدرتها على مواجهة الأزمات، ففي حين تستفيد العديد من الدول العربية، خصوصًا المصدّرة للطاقة، من ارتفاع أسعار النفط والغاز، تجد دول أفريقية نفسها على الجانب الآخر من المعادلة، نظرًا لاعتمادها الكبير على استيراد الطاقة.

 

وفي ظل هذا الهيكل الاقتصادي، لا تقتصر الصدمة على ارتفاع الأسعار فحسب، بل تكشف عن نمط اعتماد عميق على الخارج، إذ أدى ضعف الاستثمار في قدرات المصافي، إلى جانب هيمنة الشركات الأجنبية، إلى إبقاء العديد من الاقتصادات الأفريقية معتمدة على استيراد الوقود، وأكثر هشاشة في مواجهة تقلبات الأسواق والصدمات الخارجية.

 

وتعتمد إفريقيا بشكل كبير على النقل البحري في نحو 90% من تجارتها، ما يجعلها أكثر عرضة لأي اضطراب في الممرات البحرية، ومع تصاعد التوترات وتعطل الملاحة في مضيق هرمز، إلى جانب ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، ارتفعت كلفة السلع قبل وصولها إلى الأسواق، لتتحول الصدمة الخارجية سريعًا إلى ضغط معيشي مباشر يظهر في أسعار الغذاء والسلع الأساسية.

 

وفي سياق متصل، تُعد الزراعة أحد الأعمدة الرئيسية لسبل العيش في القارة، ما يجعل ارتفاع أسعار الأسمدة تحديًا مباشرًا للإنتاج الغذائي، وبحسب تقديرات وتجارب سابقة، لا سيما خلال الحرب الروسية الأوكرانية، تراجع إنتاج الحبوب بنحو 16% في شرق إفريقيا، ودخل ما بين 6 إلى 7 ملايين شخص إضافي في دائرة انعدام الأمن الغذائي.

 

ومع اعتماد الأسر الأفريقية على إنفاق ما يقارب 70% من دخلها على الغذاء، فإن أي ارتفاع في الأسعار لا يُعد مجرد تضخم، بل ضغطًا مباشرًا على القدرة المعيشية. وتشير التقديرات إلى أن زيادة بنسبة 10% في التكاليف قد تدفع ملايين الأسر من حدود الاكتفاء إلى حافة العجز الغذائي.

 

وفي جانب الطاقة، تشير تقديرات إلى أن القارة الأفريقية تنفق أكثر من 120 مليار دولار سنويًا على استيراد المنتجات البترولية، رغم امتلاكها موارد طبيعية، ما يعكس فجوة هيكلية في التصنيع والتكرير، ومع ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، ترتفع فاتورة الاستيراد بشكل مباشر، ما يزيد الطلب على الدولار ويضغط على العملات المحلية.

 

كما أن محدودية الاحتياطيات الأجنبية في عدد من الدول الأفريقية تقلل من قدرتها على الدفاع عن عملاتها، مقارنة باقتصادات تمتلك أدوات مالية ونقدية أكثر مرونة، وهو ما يؤدي إلى تسارع تراجع العملات، وانعكاس ذلك مباشرة على معدلات التضخم وتكاليف المعيشة.

 

إلى جانب ذلك، شهدت الأسواق الناشئة تراجعًا في تدفقات الاستثمار الأجنبي، مع توجه المستثمرين نحو الأصول الأكثر أمانًا، ما زاد من الضغوط على السيولة في الدول الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها عدد من الاقتصادات الأفريقية.

 

ويرى محللون أن ما يحدث يعكس انتقال تأثير الصدمات الجيوسياسية إلى الاقتصادات الأقل قدرة على الامتصاص، حيث تتحول الأزمات الخارجية إلى ضغوط داخلية مباشرة، تبدأ من سعر الصرف وتمتد إلى مستويات المعيشة.

الدين الأفريقي

 

وفي ما يتعلق بالمديونية، تشير تقديرات إلى أن الدين العام في إفريقيا بلغ نحو 63.5% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024، فيما تلتهم مدفوعات الديون الخارجية أكثر من 31% من إيرادات الحكومات، وفق تصنيفات دولية، ما يحد من قدرة الدول على الإنفاق التنموي.

 

وفي هذا السياق، تشير بيانات إلى أن 13 دولة أفريقية تقع ضمن قائمة أكثر 20 دولة تعثرًا عالميًا، في مؤشر يعكس عمق الهشاشة التمويلية التي تعانيها القارة.

 

وفي حين تتمكن بعض اقتصادات الشرق الأوسط من امتصاص جزء من هذه الصدمات، تبقى العديد من الدول الأفريقية أمام تحديات مركبة، تجمع بين ضعف البنية الإنتاجية، والاعتماد على الاستيراد، وتقلب تدفقات رأس المال.

 

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الفجوة الاقتصادية أكثر وضوحًا، حيث لا تتوزع آثار الأزمات العالمية بشكل متساوٍ، بل تميل إلى ضرب الاقتصادات الأكثر هشاشة أولًا، في وقت تستفيد فيه اقتصادات أخرى من نفس العوامل التي تُشكّل عبئًا على غيرها.