< بعد قرار تثبيت الفائدة.. كيف يحمي البنك المركزي الأردني القوة الشرائية للدينار؟
متن نيوز

بعد قرار تثبيت الفائدة.. كيف يحمي البنك المركزي الأردني القوة الشرائية للدينار؟

البنك المركزي الاردني
البنك المركزي الاردني

أعلن البنك المركزي الأردني رسميًا عن قراره القاضي بتثبيت سعر الفائدة الرئيسي عند مستوى 5.75%، مع الإبقاء على كافة أسعار أدوات السياسة النقدية الأخرى دون تغيير، وذلك في خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز ركائز الاستقرار النقدي والمالي في المملكة الهاشمية.

 ويأتي هذا القرار في ظل ظروف اقتصادية عالمية تتسم بالتقلب، مما يعكس رغبة صانع السياسة النقدية في الأردن في الحفاظ على جاذبية العملة الوطنية (الدينار) كوعاء ادخاري، ومواكبة الاتجاهات السائدة في الأسواق المالية الدولية.

 وأكد البنك المركزي أن قراره جاء بعد دراسة متأنية للمتغيرات الاقتصادية الكلية، مشيرًا إلى أن تثبيت الفائدة في هذه المرحلة يخدم أهداف التنمية المستدامة ويحافظ على مستويات تضخم آمنة، بما يضمن بيئة استثمارية محفزة للقطاع الخاص المحلي والأجنبي على حد سواء، وتعد هذه الخطوة رسالة طمأنة للأسواق حول متانة الجهاز المصرفي الأردني وقدرته على إدارة السيولة بكفاءة عالية.

إجراءات احترازية وحزم سيولة

لم يكن قرار تثبيت الفائدة معزولًا عن سياق أوسع من التدخلات النقدية، حيث أوضح البنك المركزي أن هذا التوجه مدعوم بحزمة إجراءات احترازية استباقية أطلقها مطلع شهر أبريل الجاري، والتي بلغت قيمتها الإجمالية نحو 760 مليون دينار أردني.

 وتهدف هذه الحزمة المالية الضخمة إلى ضخ السيولة اللازمة في الشرايين الاقتصادية، ودعم القطاعات الحيوية التي تمثل محركًا أساسيًا للنمو، وذلك لضمان عدم تأثر وتيرة الإنتاج أو القوة الشرائية للمواطنين بقرارات السياسة النقدية المتشددة عالميًا.

وتعمل هذه الإجراءات كحائط صد يمنع حدوث أي انكماش في الائتمان الممنوح للأفراد والشركات، مما يساعد البنوك التجارية على الاستمرار في دورها التمويلي دون ضغوط إضافية، وهو ما يبرهن على مرونة البنك المركزي الأردني في استخدام أدواته المالية بشكل متكامل يجمع بين استقرار الأسعار وتحفيز النشاط التجاري.

قفزة تاريخية في الاحتياطيات

من أبرز العوامل التي عززت موقف البنك المركزي في اتخاذ هذا القرار هو الأداء القوي للمؤشرات النقدية، وعلى رأسها الارتفاع الملحوظ في حجم احتياطي النقد الأجنبي لدى المملكة، والذي سجل مستويات قياسية بلغت 26.8 مليار دولار بنهاية شهر مارس من عام 2026.

 ويمثل هذا الرقم قفزة نوعية تعكس نجاح السياسات المالية في جذب العملات الصعبة واستقرار الصادرات وتدفقات الحوالات المالية من المغتربين، وبالنظر إلى المعايير الدولية لقياس كفاية الاحتياطيات، نجد أن هذا المستوى يغطي واردات المملكة من السلع والخدمات لمدة تصل إلى 9.4 شهر، وهو مستوى يتجاوز بكثير المعايير العالمية المتعارف عليها والتي تنصح بتغطية لثلاثة أشهر فقط، مما يمنح الأردن حصانة اقتصادية قوية ضد أي صدمات خارجية محتملة ويؤكد قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الدولية بكل يسر وسهولة.

مواكبة الأسواق العالمية وتحديات التضخم

يأتي تثبيت الفائدة عند 5.75% كجزء من استراتيجية "الارتباط والمواكبة" مع البنوك المركزية العالمية، لضمان عدم حدوث فجوات واسعة في أسعار الفائدة قد تؤدي إلى نزوح رؤوس الأموال أو الضغط على سعر صرف الدينار مقابل الدولار والعملات الرئيسية الأخرى، ويبذل المركزي الأردني جهودًا مضنية لموازنة هذه المعادلة الصعبة.

حيث يسعى من جهة إلى كبح جماح التضخم المستورد الناجم عن ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية في الأسواق العالمية، ومن جهة أخرى يحرص على عدم رفع تكاليف الإقراض بشكل يؤدي إلى تباطؤ الاستهلاك المحلي.

وتظهر البيانات الحالية أن معدلات التضخم في الأردن لا تزال ضمن النطاقات المستهدفة والمسيطر عليها مقارنة بدول الجوار، مما يعطي صانع القرار مساحة للحركة والمناورة في استخدام أدوات السياسة النقدية دون الحاجة إلى إجراءات تقشفية قاسية قد تضر بالطبقة الوسطى والفقيرة.

رؤية مستقبلية للاستقرار المالي

تؤكد المعطيات الراهنة أن الاقتصاد الأردني يدخل الربع الثاني من عام 2026 وهو يتمتع بقواعد نقدية صلبة وجهاز مصرفي يتسم بالكفاءة والسيولة المرتفعة.

ويتوقع المحللون الاقتصاديون أن يسهم قرار تثبيت الفائدة في استقرار عوائد الودائع البنكية، مما يشجع على الادخار المحلي الطويل الأجل، وفي ذات الوقت يوفر رؤية واضحة للمستثمرين حول تكلفة التمويل المستقبلي لمشاريعهم.

إن التكامل بين حزمة الـ 760 مليون دينار ومستويات الاحتياطي الأجنبي المريحة يشكل ضمانة حقيقية لاستمرار استقرار سعر صرف الدينار، الذي يمثل حجر الزاوية في الثقة الاقتصادية بالأردن، وفي الختام يبقى البنك المركزي الأردني العين الساهرة على استقرار العملة والأسعار، مستخدمًا أفضل الممارسات الدولية في الرقابة المصرفية وإدارة المخاطر، بما يضمن عبور الاقتصاد الوطني لبر الأمان رغم كافة التحديات الجيوسياسية والاقتصادية المحيطة بالمنطقة.