السمنة ليست السبب الوحيد.. كيف تؤثر الأطعمة المصنعة والملابس على خلايا الجسم؟
كشفت دراسة حديثة وواسعة النطاق نشرتها صحيفة "ديلي ميل" البريطانية عن معطيات طبية بالغة الخطورة، حيث ربطت بين ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض السرطانية لدى فئة الشباب والبالغين الذين لم يتجاوزوا سن الخمسين، وبين التعرض اليومي المستمر لمركبات كيميائية موجودة في أبسط أدوات الحياة اليومية.
وأشار التقرير الصادر عن معهد أبحاث السرطان بالتعاون مع كلية "إمبيريال كوليدج لندن" إلى أن المكونات الاصطناعية التي تدخل في تصنيع الوجبات الجاهزة، والمواد المستخدمة في معالجة أقمشة الزي المدرسي، وحتى الأواني المنزلية المطلية بمواد تمنع الالتصاق، قد تكون المحرك الخفي وراء زيادة الحالات القاتلة من الأورام بين جيل الألفية والجيل الذي يليه. إن هذا التحذير يضع صانعي السياسات الصحية أمام تحدٍ جديد يتجاوز حدود التوعية التقليدية، ليمس جوهر الصناعات الغذائية والنسيجية التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من النسيج الاستهلاكي العالمي.
أسباب السرطان المبكر
يعتقد العلماء البريطانيون المشاركون في هذه الدراسة أن اللغز وراء ارتفاع حالات الإصابة بـ 11 نوعًا مختلفًا من السرطان بين البالغين الذين تتراوح أعمارهم ما بين 20 و49 عامًا لا يقتصر على الوراثة فحسب، بل يمتد ليشمل الاستخدام المفرط للمضادات الحيوية منذ عقود مضت.
ففي الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال، رصدت الإحصائيات ارتفاعًا مقلقًا في حالات الإصابة بالسرطان المبكر بنسبة تصل إلى 15% تقريبًا خلال العقد الماضي، حيث أصبح الأطباء يشخصون حالات مصابة بأمراض كانت تُعتبر تاريخيًا حكرًا على كبار السن ومرحلة الشيخوخة. وتشمل قائمة الأورام المتزايدة أنواعًا حساسة وخطيرة مثل سرطان الثدي، والأمعاء، والغدة الدرقية، والبنكرياس، بالإضافة إلى سرطان الكبد والكلى والمبيض، وهي أنواع ارتبط الكثير منها تاريخيًا بأزمة السمنة العالمية، لكن المعطيات الجديدة تؤكد وجود محفزات أخرى تتسلل إلى أجساد الشباب عبر الغذاء والبيئة المحيطة.
خطر المواد الأبدية
في البحث الذي قاده خبراء من معهد أبحاث السرطان، تبين أن زيادة الوزن المفرطة ورغم خطورتها الثابتة، لا يمكنها وحدها تفسير هذه القفزة الحادة في نسب الإصابة لدى الفئات العمرية الصغيرة، وهو ما دفع الباحثين للتركيز على الأطعمة فائقة المعالجة المعروفة اختصارًا بـ (UPFs). هذه الأطعمة المشبعة بالمواد الحافظة والنكهات الاصطناعية تعمل جنبًا إلى جنب مع مركبات (PFAS) أو ما يُعرف بـ "المواد الكيميائية الأبدية" التي تدخل في صناعة الملابس المقاومة للماء وأدوات الطهي المنزلية والمنتجات الاستهلاكية الأخرى. تكمن خطورة هذه المواد في كونها لا تتحلل بسهولة داخل جسم الإنسان أو في البيئة، مما يؤدي إلى تراكمها الحيوي داخل الأنسجة بمرور الزمن، وهو ما يرجح العلماء كونه سببًا في تحفيز الطفرات الجينية المؤدية للأورام حتى في الأجسام التي لا تعاني من السمنة المفرطة.
تحليل ميكروبيوم الأمعاء
تطرقت الدراسة المنشورة في مجلة "BMJ Oncology" إلى فحص دقيق لاتجاهات الإصابة بالمرض في إنجلترا، حيث وجد الباحثون أن النساء يمثلن نحو ثلثي الحالات المسجلة بين الشباب في عام 2023، ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى الانتشار الواسع لسرطان الثدي.
ومن المثير للقلق أن الدراسة رصدت ارتفاعًا بنسبة 26% في سرطان الفم، وهو النوع الوحيد الذي لم يجد العلماء رابطًا مباشرًا بينه وبين السمنة، مما يفتح الباب أمام فرضيات تتعلق بزيادة التعرض للفيروسات أو التغيرات الكيميائية في البيئة المحيطة. ويوضح الخبراء أن الاستخدام الكثيف للمضادات الحيوية منذ سبعينيات القرن الماضي قد أدى إلى إحداث خلل جسيم في "ميكروبيوم الأمعاء"، وهو التوازن البكتيري الدقيق في الجهاز الهضمي الذي يلعب دورًا محوريًا في حماية الجهاز المناعي ومنع الالتهابات المزمنة التي تسبق تكوّن الخلايا السرطانية.
ضرورة التحرك الوطني
شددت البروفيسورة مونتسيرات جارسيا كلوساس على أن فهم هذه الأنماط المعقدة للتعرض الكيميائي في مراحل الحياة المبكرة هو السبيل الوحيد لحماية جيل اليوم من خطر الوفاة المبكرة بالسرطان. وأوضحت أن التدخين واستهلاك الكحول ورغم تراجعهما بين الشباب مقارنة بالعقود الماضية، إلا أن ظهور مسببات جديدة "مستترة" مثل أغلفة الوجبات السريعة وحبوب الإفطار المعالجة كيميائيًا قد سد الفجوة وأبقى معدلات الخطر مرتفعة. إن مواجهة هذا الوباء الصحي تتطلب تحركًا وطنيًا شاملًا يبدأ من تشديد الرقابة على المكونات الاصطناعية في الصناعات الغذائية، وصولًا إلى إعادة النظر في المواد الكيميائية المستخدمة في صناعة الملابس المدرسية والمنزلية، لضمان بيئة أكثر أمانًا للأجيال القادمة بعيدًا عن شبح الأورام الذي بات يطارد الشباب في مقتبل العمر.