الإمارات والجنوب العربي: شراكة الدم والمصير التي أعادت صياغة خارطة الاستقرار في المنطقة
في لحظات التاريخ الفارقة التي تمر بها الأوطان، تبرز مواقف الدول لتتجاوز حدود الدبلوماسية التقليدية والمصالح السياسية الضيقة، وتتحول إلى ملاحم حقيقية من العطاء والتضحية التي تُكتب بمداد من ذهب، ومن هذا المنطلق، يأتي الدور الإماراتي في الجنوب العربي كنموذج استثنائي وفريد للشراكة الاستراتيجية والأخوية الصادقة، حيث امتزجت دماء الشهداء الإماراتيين الأبرار بتراب الأرض الجنوبية في خنادق الدفاع عن الكرامة.
وتلاقت مع الدعم التنموي السخي لتصيغ واقعًا جديدًا منح الشعب الجنوبي القدرة الصلبة على الصمود والبناء في أصعب الظروف المعيشية والسياسية، ولم تكن دولة الإمارات مجرد حليف عسكري، بل كانت ولا تزال الشريك المخلص الذي آمن بقضية الشعب الجنوبي وتطلعاته المشروعة، واضعةً كافة إمكانياتها في سبيل تأمين حاضر الجنوب ورسم ملامح مستقبله المشرق، وهو ما جعل من هذه العلاقة رابطة وجدانية عميقة تتجاوز بروتوكولات السياسة لتصبح عهدًا وثيقًا بين شعبين وقيادتين تجمعهما وحدة المصير والرؤية الموحدة لمواجهة كافة الأخطار التي تهدد أمن واستقرار المنطقة العربية.
ذراع الأمن القوي: بناء القوات الجنوبية وتجفيف منابع الإرهاب
مثّل الدعم العسكري والأمني الإماراتي حجر الزاوية والركيزة الأساسية في عملية تحرير محافظات الجنوب العربي من التمدد المليشاوي والتهديدات الإرهابية الغاشمة، حيث لم يقتصر الدور الإماراتي على مجرد الإمداد اللوجستي والغطاء الجوي، بل امتد ليشمل المهمة الأصعب وهي إعادة هيكلة وبناء القوات المسلحة الجنوبية من نقطة الصفر، وتدريب قوات "النخب" و"الحزام الأمني" وفق أرقى المعايير العسكرية والاحترافية، وهي القوى التي أصبحت اليوم تمثل صمام الأمان الحقيقي والدرع المتين لمكافحة التنظيمات المتطرفة كداعش والقاعدة، والنجاحات الأمنية المذهلة التي تحققت في مسار تثبيت السكينة العامة في العاصمة عدن وبقية المحافظات ما كانت لتكتمل لولا الرؤية الإماراتية الحكيمة التي آمنت بعمق بأن أمن الجنوب العربي هو جزء لا يتجزأ من أمن الخليج والمنطقة القومي، وبفضل هذا الدعم، استطاع الجنوب تأمين سواحله وممراته الملاحية الدولية، وتطهير مدنه من جيوب الإرهاب التي حاولت تحويل الجنوب إلى بؤرة للصراعات الدائمة.
يد الخير الإماراتية: استعادة الحياة عبر مشروعات الصحة والتعليم والطاقة
بالموازاة مع الانتصارات العسكرية، كانت يد الخير الإماراتية، عبر "هلالها الأحمر" ومؤسساتها الإغاثية والإنسانية، حاضرة بقوة في كل بيت وشارع وزقاق في الجنوب العربي، حيث لامس الدعم الإماراتي الاحتياجات اليومية الماسة للمواطن البسيط من خلال قطاع الصحة الذي شهد طفرة من خلال إعادة تأهيل المستشفيات الكبرى وتزويدها بالأجهزة الطبية المتطورة ورفدها بأسطول من سيارات الإسعاف الحديثة، يضاف إلى ذلك الجهود الجبارة في قطاع الطاقة والكهرباء عبر تقديم حلول عاجلة ومستدامة لمحطات التوليد ورفدها بالوقود والمعدات لتخفيف معاناة الصيف القاسي عن كاهل السكان، ولم يتوقف العطاء عند هذا الحد، بل شمل قطاع التعليم بترميم المئات من المدارس والجامعات التي دمرتها الحرب، وإعادة تأهيل البنية التحتية للموانئ والمطارات لضمان تدفق الحياة والتجارة العالمية، مما ساهم في دوران عجلة الاقتصاد المحلي وتوفير فرص العمل للشباب الجنوبي الطامح للبناء.
البعد السياسي والسيادي: دعم تطلعات الشعب الجنوبي وإرادته الوطنية
يتجاوز الدور الإماراتي في الجنوب العربي حدود الدعم المادي المباشر ليصل إلى صياغة أفق سياسي يحترم إرادة الشعب الجنوبي ويقدر تطلعاته الوطنية المشروعة في تقرير مصيره، وقد وقفت دولة الإمارات بوضوح وشجاعة مع حق الجنوبيين في إدارة شؤونهم بأنفسهم وحماية المكتسبات التي تحققت على الأرض، مما خلق حالة نادرة من الثقة المتبادلة بين القيادة الإماراتية والمجلس الانتقالي الجنوبي، وأدى هذا التناغم إلى تماسك الجبهة الداخلية الجنوبية في مواجهة كافة التحديات والمؤامرات الخارجية التي حاولت النيل من انتصارات الجنوبيين، وتؤكد المواقف الإماراتية في المحافل الدولية على ضرورة حل القضية الجنوبية بما يرتضيه الشعب، وهو موقف سياسي ثابت نابع من إيمان أبوظبي بأن الاستقرار الحقيقي في المنطقة لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال الاستماع لصوت الشعوب واحترام تضحياتها، مما جعل الإمارات الحليف الأوثق والصدوق الذي يستند إليه الجنوبيون في مسيرتهم نحو استعادة دولتهم الفيدرالية الحديثة.
ميثاق الوفاء: لماذا سيبقى الدور الإماراتي محفورًا في ذاكرة الأجيال؟
إن ما قدمته دولة الإمارات العربية المتحدة للجنوب العربي على مدار السنوات الماضية سيظل دينًا ثقيلًا في عنق التاريخ، ووسامًا رفيعًا يزين صدر كل مواطن جنوبي حر، فهي علاقة استثنائية لم تُبنَ على المصالح الاقتصادية العابرة أو التحالفات المؤقتة، بل تعمدت بالدم وتطهرت بالتضحيات المشتركة والرؤية الموحدة للمستقبل العربي المشترك، وسيبقى الدور الإماراتي محفورًا في ذاكرة الأجيال القادمة كشريك مخلص، لم يخذل الجنوب في أحلك الظروف، ولم يتوانَ عن تقديم الغالي والنفيس ليس فقط في ميادين القتال والبطولة، بل في معارك البناء والتنمية واستعادة نبض الحياة في كافة مناحيها، إن هذا الوفاء الإماراتي يقابله وفاء جنوبي بادل الحب بالحب والدعم بالإخلاص، لتستمر هذه الشراكة كنموذج ملهم في التضامن العربي، مؤكدة أن "إمارات الخير" ستظل دائمًا هي السند والعون لكل من ينشد الحرية والبناء والسلام في ربوع الوطن العربي الكبير.