وداعًا شمس الكويت.. الموت يغيب حياة الفهد ويترك الدراما الخليجية يتيمة
في صباحٍ اتشح بالسواد، اهتزت أركان الساحة الفنية الخليجية والعربية على وقع نبأٍ هز الوجدان؛ حيث غيّب الموت، صباح اليوم الثلاثاء 21 أبريل 2026، الفنانة القديرة حياة الفهد، الملقبة بـ "سيدة الشاشة الخليجية"، عن عمر يناهز 78 عامًا، بعد صراعٍ مرير مع المرض لم تشأ أن تفصح عن تفاصيله كثيرًا، مفضلةً أن تبقى صورتها القوية والراسخة في أذهان جمهورها كما عهدوها دائمًا.
لم يكن رحيل حياة الفهد مجرد غيابٍ لفنانةٍ عادية، بل كان بمثابة إغلاقٍ لمجلدٍ ضخم من تاريخ الفن الكويتي والخليجي، وهي التي لم تكن مجرد ممثلة، بل كانت مدرسةً في التعبير، ومرجعًا في الإنسانية، ورمزًا للصمود الذي تشكل في رحم المعاناة واليتم منذ نعومة أظفارها في منطقة شرق المرقاب، لترحل اليوم وتترك خلفها إرثًا سينمائيًا وتلفزيونيًا ومسرحيًا سيظل نبراسًا للأجيال القادمة.
من رحم المعاناة إلى عرش النجومية
لم تكن حياة الفهد ابنةً للرفاهية، بل وُلدت في منطقة "شرق" الكويت، وانتقلت لاحقًا إلى "المرقاب"، حيث ترعرعت في بيئةٍ صعبة بعد أن فقدت والدها وهي في الخامسة من عمرها، لتعيش مرارة اليتم مبكرًا وتواجه قسوةً من والدتها التي لم تكن تدرك حينها أن ابنتها ستحمل اسم الكويت إلى آفاق النجومية. ورغم أنها لم تكمل دراستها الابتدائية، إلا أن إرادتها الفولاذية دفعتها لتعلم القراءة والكتابة بالعربية والإنجليزية لاحقًا بجهودٍ ذاتية، وكأنها كانت تعد نفسها لمهمةٍ أسمى. اكتشفت شغفها بالفن تحت أضواء دور السينما القديمة وهي تشاهد أفلام فريد الأطرش، لتبدأ معاركها الحقيقية ليس خلف الكاميرا، بل داخل منزلها، حيث أضربت عن الطعام لمدة شهرين متواصلين لإقناع والدتها بدخول عالم الفن، حتى رضخت الأم أخيرًا بساطة شقيقها، لتخرج حياة إلى النور عبر شاشة تلفزيون الكويت عام 1962 في مسلسل "عايلة بو جسوم".
المسيرة الذهبية وتأسيس الهوية الفنية
منذ بدايتها في مسرحية "الضحية" عام 1963، لم تنظر حياة الفهد إلى الخلف أبدًا، بل انطلقت كالسهام لتصيب أهدافها الفنية واحدًا تلو الآخر، فعملت مذيعة في إذاعة الكويت في منتصف الستينيات، وصقلت موهبتها في تقديم البرامج، لكن عشقها للتمثيل كان هو الغالب. شكلت حياة الفهد مع رفيقة دربها سعاد عبد الله ثنائيًا لا يمكن تكراره في تاريخ الدراما، فمن منا ينسى "رقية وسبيكة"، أو "خالتي قماشة"، أو "على الدنيا السلام"؟ تلك الأعمال التي لم تكن مجرد تسلية، بل كانت تعبيرًا حيًا عن واقع المجتمع الخليجي وتحولاته. كما كانت ثنائيتها مع الفنان الراحل غانم الصالح علامةً مسجلة للنجاح في أعمالٍ مثل "خرج ولم يعد" و"الغرباء"، حيث كانت تتقمص الأدوار لدرجةٍ تجعل المشاهد ينسى أنها تمثل، بل يرى فيها الأم، والأخت، والزوجة، والجدة الحازمة والمحبة في آنٍ واحد.
أسرار الحياة الخاصة والجانب الإنساني الخفي
خلف تلك الملامح القوية التي كانت تظهر بها على الشاشة، كانت حياة الفهد تخفي قلبًا يتسع للكون بأسره. تزوجت في عام 1965 من طبيب عراقي وابتعدت عن الفن لثلاث سنوات إرضاءً له، وأنجبت ابنتها الوحيدة "سوزان" التي كانت قرة عينها. ورغم انفصالها، إلا أنها لم تتوقف عن العطاء الإنساني، ففي زواجها الثاني من المطرب اللبناني محمود حمدي، لم تكن مجرد زوجة، بل قامت بتربية ابنتيه التوأم "مي ومها" كأنهما من صلبها، واستمرت في رعايتهما حتى بعد الانفصال، بل وتوجت مسيرتها الإنسانية بحضانة وتربية فتاة يتيمة تدعى "روزان". هذا الجانب الخفي من حياتها يفسر لماذا كانت صادقة جدًا في أدوارها، فهي لم تكن تمثل العطاء، بل كانت تعيشه في تفاصيل حياتها اليومية، وهو ما جعل نبأ وفاتها اليوم صدمةً لكل من عرفها خلف الكاميرا أو أمامها.
الغياب الأخير وسقوط هامة الفن
في عام 2024، لاحظ الجمهور غيابًا غير معتاد لسيدة الشاشة الخليجية عن السباق الرمضاني لأول مرة منذ 27 عامًا، وكان اعتذارها حينها بسبب "ظروف صحية" بمثابة جرس إنذارٍ لمحبينها. ويبدو أن تلك الأزمة كانت البداية للنهاية، حيث تدهورت حالتها الصحية في الآونة الأخيرة حتى فاضت روحها إلى بارئها صباح اليوم. برحيل حياة الفهد، يفقد الفن العربي ركيزةً أساسية ومناضلة فنية استطاعت أن تكسر قيود المجتمع وتفرض موهبتها باحترامٍ ورقي. لقد كانت "الفهد" تدرك أن الفن رسالة، لذا كانت حريصة على انتقاء أعمالها التي تخدم القضايا الاجتماعية والإنسانية، وستظل صرخاتها وضحكاتها في أعمالها الخالدة محفورة في ذاكرة الخليج، لتؤكد أن الأشخاص يرحلون، لكن الرموز والأثر العظيم يبقيان خالدين أبد الدهر، فرحم الله "أم سوزان" وأسكنها فسيح جناته.