البدايات والتكوين الأكاديمي المتميز.. من هو طارق نور؟
يعد طارق نور ظاهرة استثنائية في تاريخ الإعلام والإعلان المصري، فهو الرجل الذي لم يكتفِ بمجرد إدارة وكالة دعاية، بل أعاد تشكيل الذائقة البصرية والسمعية للمصريين على مدار عقود، ولد نور في مركز مغاغة بمحافظة المنيا، ومن صعيد مصر انطلق ليدرس التسويق الإعلاني في الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك نهل من أحدث فنون الإخراج والتسويق، مما منحه رؤية مغايرة تمامًا لما كان سائدًا في السوق المحلي وقتها، وعقب عودته.
التحق بوكالة الأهرام للإعلان، واستطاع بفضل موهبته الفذة أن يصعد بأسهمها وقدراتها التنافسية لمدة خمسة أعوام متتالية، مما جعله اسمًا يشار إليه بالبنان في أروقة المؤسسات الصحفية الكبرى، وبدا واضحًا أن طموح الشاب القادم من المنيا لن يتوقف عند حدود الوظيفة، بل كان يسعى لتأسيس كيانه الخاص الذي يعبر عن فلسفته في الإقناع والترويج.
وبالفعل، أسس طارق نور وكالته الأولى تحت اسم "وكالة أمريكانا للإعلان"، بالتعاون مع مجموعة الخرافي الكويتية، إلا أن الاختلاف في وجهات النظر والبحث عن الاستقلالية التامة دفعه للانفصال وتأسيس "وكالة طارق نور للإعلانات"، والتي تحولت لاحقًا إلى "طارق نور للاتصالات"، ولم تكن هذه الوكالة مجرد مكتب لتصميم الملصقات، بل تحولت في غضون سنوات قليلة إلى مؤسسة عملاقة تضم تحت لوائها حوالي 8 شركات متخصصة في الدعاية، الإعلان، وإنتاج الأفلام والمسلسلات، واستطاعت هذه الإمبراطورية أن تستحوذ على نصيب الأسد من سوق الدعاية المصرية، بمبالغ تُقدر بحوالي 400 مليون دولار سنويًا، وهو رقم يعكس حجم الثقة والانتشار الذي حققه نور في عالم المال والأعمال، حيث باتت حملاته الإعلانية هي المعيار الأول للنجاح التجاري في مصر.
التسويق السياسي وصناعة الرأي العام
لم يكتفِ طارق نور بالإعلانات التجارية للمنتجات الغذائية أو الأجهزة الكهربائية، بل اقتحم مجالًا أكثر تعقيدًا وهو "التسويق السياسي"، حيث أثبت أن السياسة يمكن أن تُسوق تمامًا كأي خدمة حيوية ما دام وجدت العقل الذي يفهم سيكولوجية الجماهير، وتعد حملة "الضرايب مصلحتك أولًا" التي صممها للترويج لقانون الضرائب الجديد واحدة من أنجح الحملات في تاريخ العمل الحكومي المصري، حيث استطاع تحويل صورة مصلحة الضرائب من جهة جباية مرهقة إلى شريك في التنمية، وحققت الحملة نتائج مذهلة انعكست على زيادة الحصيلة الضريبية، كما وضع بصمته في قطاع السياحة من خلال حملة "نورت مصر" التي استهدفت إعادة الثقة في القطاع السياحي المصري، وهي الحملة التي تميزت بروح دافئة جذبت السائح العربي والأجنبي على حد سواء.
وفي المحطات السياسية الفاصلة، تولى طارق نور المسؤولية الإعلانية لحملة الفريق أحمد شفيق الانتخابية، ورغم عدم فوز الفريق بالرئاسة وقتها، إلا أن الحملة اعتُبرت نموذجًا يُدرس في كيفية بناء صورة ذهنية قوية للمرشح في وقت قياسي وبميزانية احترافية، وهو ما أكد أن طارق نور ليس مجرد صانع إعلانات، بل هو استراتيجي بارع يعرف كيف يخاطب العقل والعاطفة في آن واحد، هذا النجاح في التسويق السياسي جعله مستشارًا غير رسمي للعديد من المشروعات القومية، حيث كانت لمسته تضمن وصول الرسالة ببساطة ووضوح إلى كافة فئات الشعب المصري، مستخدمًا لغة سينمائية متطورة وإيقاعًا إعلانيًا لا يمل منه المشاهد.
تأسيس "القاهرة والناس" والتحول للإعلام الرقمي
في عام 2012، قرر طارق نور خوض تجربة إعلامية جديدة بتأسيس قناة "القاهرة والناس"، والتي رفعت شعار الاختلاف والجرأة منذ اللحظة الأولى، ولم تكن القناة مجرد وسيلة لعرض المسلسلات، بل كانت منصة لإطلاق برامج غير تقليدية غيرت من شكل "التوك شو" المصري، ولعل برنامج "العباقرة" هو الدرة التاج في إنتاجات القناة، حيث نجح في تحويل العلم والثقافة إلى مادة ترفيهية تنافسية جذبت الملايين من الشباب والطلاب، كما ساهم نور في دعم الصحافة المكتوبة من خلال مساهماته في مؤسسات صحفية كبرى مثل "اليوم السابع" و"الفجر"، مما جعله يمتلك شبكة نفوذ إعلامية وإعلانية متكاملة، واستطاع من خلال قناته أن يخلق "براند" إعلامي يتسم بالرقي والحداثة، معتمدًا على خبرته الطويلة في كيفية جذب انتباه المشاهد في الثواني الأولى.
وخلال سنوات عمله، كان طارق نور دائمًا ما يسبق عصره في استخدام التكنولوجيا، حيث حول وكالته إلى مركز عالمي للاتصالات يمتلك فروعًا في عدة دول، ولم يتوقف عند حدود السوق المحلي، بل نقل الخبرة المصرية في الإعلان إلى آفاق إقليمية واسعة، وباتت مدرسة طارق نور في الإعلان هي المرجع الذي تخرج منه مئات المبدعين في مجال المونتاج، الجرافيك، وكتابة المحتوى الإعلاني، لقد صنع نور حالة من التكامل بين الفن والتجارة، حيث كانت إعلاناته بمثابة أفلام سينمائية قصيرة تلتصق بالذاكرة، ولا يزال الكثير من المصريين يرددون شعارات إعلانية صممها نور منذ سنوات طويلة، مما يؤكد أن بصمته باقية وتتخطى حاجز الزمن.
أعلن مجلس إدارة الشركة المتحدة اعتذار السيد طارق نور رسميًا عن رئاسة مجلس إدارة الشركة، وأوضح البيان أن هذا القرار جاء بناءً على طلب شخصي من نور لأسباب صحية تتطلب سفره للخارج لتلقي العلاج، وقد لاقى هذا الاعتذار قبولًا وامتنانًا من مجلس الإدارة الذي عبر عن شكره العميق للفترة التي تولى فيها نور الرئاسة، وما حققه من إنجازات وضعت الشركة في مصاف المؤسسات الإعلامية الكبرى، وتم تكليف نائب رئيس مجلس الإدارة، السيد محمد السعدي، بالقيام بأعمال رئيس مجلس الإدارة، والسعدي بدوره يعد أحد أبرز تلاميذ مدرسة طارق نور وشريكًا في مسيرة النجاح، مما يضمن استمرارية الرؤية التي وضعها "الأستاذ" كما يلقبه العاملون في المجال.
يظل طارق نور هو "الأب الروحي" للإعلان في مصر، والرجل الذي حول الدعاية من مهنة تكميلية إلى صناعة قومية تدر المليارات، إن مسيرته الحافلة بالنجاحات والابتكار ستظل مصدر إلهام لكل شاب يحلم بدخول عالم الميديا، ومع انتقال الراية إلى محمد السعدي، يبقى الأمل معقودًا على استكمال المسيرة بنفس الروح الإبداعية التي زرعها طارق نور، نسأل الله له الشفاء العاجل والعودة بسلامة الله إلى وطنه الذي نوره بفنه وعقله لسنوات طويلة.